في خطة ترامب “لحرب استباقيّة” مع ايران وما بعدها
بقلم: عبد الهادي محفوظ
يجد الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه أمام إحراج شديد. فهو تورّط في حرب مع ايران لا يعرف خاتمتها. إذ اعتقد أنه أمام “صفقة” مشابهة لاختطافه للرئيس الفنزويللي نيكولاس مادورو التي أسفرت عن حكومة موالية له. وإذا بكل حساباته وحسابات شريكه بنيامين نتنياهو في دفع ايران إلى التفاوض من موقع ضعف في غير مكانها. ذلك أن أهداف الحرب على ايران لم تتحقق لا في إسقاط النظام ولا في تغيير سلوكه ولا في إضعاف الحرس الثوري ولا في توقع انعكاس سلبي لاغتيال قيادات بارزة ولا في تحريك “الداخل الايراني”.
وقد يكون أفضل توصيف لورطة الرئيس دونالد ترامب في الحرب الأميركية على ايران ما ردده للرئيس الأوكراني زيلينسكي عندما أبلغه “لقد أوقعتني في ورطة كبيرة باستهداف أوكرانيا للسفينة الايرانية”. فحسابات زيلينسكي هي “الوصل” بين الحرب الأميركية-الايرانية والحرب الروسية-الأوكرانية. وهذا “الوصل” يشكّل قاسما مشتركا بين زيلينسكي وبنيامين نتنياهو هدفه توريط الولايات المتحدة الأميركية من جديد في شن حرب شاملة على ايران توسّع جبهات الحرب. وهذا شأن لا يريده الرئيس الأميركي دونالد ترامب لأنه يستتبع استدراج روسيا والصين ويضع العالم بأسره أمام احتمال استخدام أسلحة تكتيكيّة مدمّرة إضافة إلى حروب جانبيّة لا يمكن التحكّم بها. من هنا كان لقاء ترامب مع نتنياهو “فاترا” ومع زيلينسكي “مدروسا” والإكتفاء بإعطائه رخصة لتصنيع صواريخ باتريوت والإكتفاء بدور “الوسيط” بين روسيا وأوكرانيا. ففي تقدير الدكتور رامي الشاعر المستشار السياسي في وزارة الخارجية الروسية “الرئيس ترامب يريد إغلاق الملف وإقفاله في أوكرانيا وإعادة “ترتيب” الملف في الشرق الأوسط فيما يسعى نتنياهو وزيلينسكي إلى الإبقاء على الملفين مفتوحين بنفس الحرارة وسخاء التمويل والدعم التكنولوجي والإستخباراتي والعسكري”.
ورهانات نتنياهو وزيلينسكي على الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعيد التذكير بما قاله هنري كيسنجر يوما:”قد يكون من الخطر أن تكون عدوّا للولايات المتحدة الأميركية. لكن أن تكون صديقا فهو أمر قاتل…”.
حيرة الرئيس ترامب في كيفيّة التعامل مع “الملف الايراني” دفعته للتفكير “بحرب استباقية”عبر خطة حربيّة وضعتها وزارة الحرب الأميركية عبر خبرائها. وكانت “الخطة” ترتكز إلى ضربات عنيفة تنفّذها البحرية الأميركية والفرقة العسكريّة ٨٢ وقوات دلتا وتشارك فيها طائرات A11E للربط بين الإتصالات. من هنا كان الإستهداف المبكر لمبنى الإستخبارات الايرانية في الأهواز لتغطية تحركات مسلحة تابعة للمعارضة الأهوازيّة. وكان تقدير خبراء البنتاغون أن العملية تستغرق ١٥ يوما إلى ثلاثة أسابيع ويتم فيها استخدام قنابل تدميرية متطوّرة.
ولحظت “الخطة” الإستفادة من تجربة العراق للعام ١٩٩١ عندما تحركت مجموعات مسلحة معارضة في العراق وأسقطت ١٤ محافظة ومن ثم نجح النظام العراقي في استعادتها. على أن يتلافى الرئيس ترامب سلبيات التجربة العراقية تلك.
وعلى ما يبدو أن الحرس الثوري كان على معرفة بالخطة الأميركية فقام بدوره بعمليات استباقيّة ما دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى التراجع عنها والإستجابة إلى ما سمّاه مساعي خليجية وباكستانية للتهدئة وتحريك المفاوضات من جديد عبر “صفقة جديدة” تعيد فتح مضيق هرمز وتعالج البرنامج النووي.
فترة هدوء نسبي للحرب الأميركية-الايرانية مع تصعيد أميركي داخلي بالإعتراض عليها ومع أزمة اقتصادية ومالية متنامية عالمية بإغلاق مضيق هرمز. إنما يصحب ذلك تصعيد عسكري اسرائيلي في غزة والجنوب اللبناني وسوريا هدفه الضغط من نتنياهو على الرئيس ترامب الذي سيضع ثقله لإيقافه. ذلك أن رئيس الحكومة الاسرائيلية يريد من سيد البيت الأبيض أن يطلب ذلك منه وخصوصا أن الرئيس الأميركي حريص على “مخرج” في غزة عبر مجلس السلام العالمي. كما أنه يعترض على ما يذهب إليه رئيس الحكومة الاسرائيلية من تغيير لمعالم القرى الحدودية الجنوبية لفرض واقع جديد.
واقع الحال المسار الأميركي-الايراني يفترض تنازلات أميركية-ايرانية متبادلة ومرونة من واشنطن وطهران. ذلك أن الكون برمّته هو على أبواب حرب نووية ومجاعات وأوبئة إضافة إلى حروب فرعيّة في أكثر من مكان.




