العُلا.. جسر تواصل حضاري يتجدد عبر الشراكة السعودية

وتحتفظ العلا، من بين جبالها وواحاتها، بتراث حضاري متنوع يمتد على فترات زمنية متعاقبة، وأبرزها دادان، وجبل عكمة، والمدينة القديمة، بالإضافة إلى موقع الحجر الأثري، وهو أول موقع سعودي يتم إدراجه على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عام 2008، بما يحتويه من مقابر نبطية منحوتة في الصخور ونقوش وزخارف معمارية. الأدلة التي تعكس المكانة التي كانت تتمتع بها. تقع المنطقة على طرق التواصل التجاري والثقافي.
ومع مرور الوقت، واصلت العلا حضورها كنقطة التقاء وتبادل بين الثقافات، ومع التحولات التي شهدتها المملكة في السنوات الأخيرة، دخلت المحافظة مرحلة جديدة من رحلتها، ترتكز على الحفاظ على تراثها التاريخي والطبيعي والثقافي ودراسة مكوناته وإعادة تقديمه للعالم، بالتوازي مع تطوير التجارب الثقافية والسياحية وبناء القدرات البشرية واستقطاب الخبرات المتخصصة. مما عزز حضور العلا كوجهة ثقافية وسياحية ذات حضور عالمي.
مسارات للتبادل المعرفي والثقافي
وامتدادًا لهذا الدور التاريخي، ساهمت شبكة من الشراكات المحلية والدولية في فتح مسارات جديدة للتبادل المعرفي والثقافي في العلا، بما في ذلك الآثار والفنون والتعليم والسياحة والضيافة والاستدامة والبنية التحتية. وتمثل الشراكة السعودية الفرنسية أحد أبرز جوانب هذا التواصل، وتقوم على التعاون الموسع في مجال البحوث الأثرية والحفاظ على التراث، والذي توسع فيما بعد ليشمل قطاعات متعددة.
واتخذ هذا التعاون إطارًا مؤسسيًا أوسع بتوقيع الاتفاقية الحكومية المشتركة بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الفرنسية في باريس في 10 إبريل 2018، بحضور صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لتشكيل إطار طويل الأمد للتعاون في مجالات التنمية الثقافية والبيئية والسياحية والبشرية والاقتصادية وتعزيز التراث في محافظة العلا.
وفي إطار الاتفاقية تم إنشاء الوكالة الفرنسية لتنمية العلا (أفالولا) للتعاون مع الهيئة الملكية لمحافظة العلا، واستقطاب الخبرات الفرنسية، ودعم بناء الشراكات مع المؤسسات العلمية والثقافية والشركات المتخصصة، مما ساهم في نقل المعرفة والمهارات والخبرات الفنية إلى مختلف مجالات رحلة العلا التنموية.

مشاركة القطاع الخاص الفرنسي
وتشير بيانات الشراكة السعودية الفرنسية إلى توسع مشاركة القطاع الخاص الفرنسي خلال الفترة من 2018 إلى 2025، إذ شاركت أكثر من 80 شركة فرنسية في فرص ومشاريع تتعلق بالعلا، وهو ما يعكس تنوع مجالات التعاون واتساع نطاق المشاركة الفرنسية في مسيرة تنمية المحافظة.
وتبرز الأبحاث الأثرية كأحد أقدم مسارات التعاون العلمي بين الجانبين والأكثر ارتباطًا بتاريخ العلا، حيث يمتد التعاون الأثري السعودي الفرنسي لأكثر من 20 عامًا، منذ العمل البحثي الأثري في الحجر عام 2002.
وساهمت البعثات السعودية الفرنسية في أعمال المسح والتنقيب والدراسة في عدد من المواقع، بمشاركة أكثر من 150 خبيرا، فيما انطلقت (14) مشروعا بحثيا أثريا منذ عام 2019، في مسار علمي يهدف إلى قراءة طبقات التاريخ والكشف عن تفاصيل الحياة التي عرفتها الواحة وارتباطاتها بالمجتمعات والحضارات الأخرى.
معرض للاكتشافات المضيئة
وظهرت نتائج هذا التعاون في موقع دادان من خلال المعرض الدائم “اكتشافات مضيئة: مراحل تاريخية في دادان” الذي يعرض أكثر من 100 قطعة أثرية تم اكتشافها خلال 5 سنوات من التنقيب في دادان وموقع أم درج، ويقدم للزائر شواهد عن الحياة اليومية والحرف والمعتقدات وشبكات التبادل التجاري والثقافي التي عرفتها المحافظة.
ويأتي المعرض ثمرة التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا، والوكالة الفرنسية لتطوير العلا، والمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، كامتداد لعمل البعثات الأثرية السعودية الفرنسية في المنطقة.
وامتد حضور إرث العلا إلى فرنسا من خلال إعارة أحد تماثيل دادان القديمة إلى متحف اللوفر في باريس لمدة 5 سنوات، مما يعزز حضور تراث العلا الثقافي على المنصات العالمية، ويجسد أحد جوانب التبادل الثقافي والمعرفي بين الجانبين.
وامتد المسار العلمي والتعليمي إلى برامج أكاديمية وبحثية وتدريبية مع مؤسسات فرنسية، بما فيها جامعة باريس الأولى بانثيون-السوربون، بما يدعم التبادل المعرفي وبناء القدرات الوطنية في مجالات الآثار والحفاظ على التراث وترميمه.

تم إرسال 106 إلى فرنسا
وتضمنت مسارات التعاون إرسال 106 من أبناء وبنات العلا إلى فرنسا، منهم 25 خريجاً، بالإضافة إلى حصول 15 متدرباً على تدريب متخصص في علم الآثار في فرنسا، وهو ما يعكس انتقال الشراكة من تبادل الخبرات إلى بناء قدرات وطنية مستدامة ونقل المعرفة إلى أبناء وبنات العلا.
ومن الآثار إلى الفنون، اتخذ التواصل الثقافي مسارات جديدة من خلال التعاون مع مركز بومبيدو، والاستفادة من خبراته المتحفية والفنية في تطوير متحف الفن المعاصر في العلا، وربط إرث المكان التاريخي بحركة ثقافية وفنية معاصرة.
وشهدت العلا خلال عام 2026 أحد أبرز مظاهر هذا التعاون من خلال معرض “أرضنا” الذي أقيم ضمن مهرجان العلا للفنون بالتعاون مع مركز بومبيدو وبدعم من الوكالة الفرنسية لتنمية العلا، وضم أكثر من 80 عملاً لفنانين سعوديين وإقليميين وعالميين، مستوحاة من طبيعة العلا وتاريخها كواحة على طريق البخور القديم، وتستكشف من خلال الفن الحديث والمعاصر العلاقة الإنسانية مع العلا. الأرض والطبيعة.
ولم يقتصر هذا التعاون على البرامج التي أقيمت في العلا، بل امتد إلى حضوره في منصات ثقافية عالمية، بما في ذلك معرض “العلا واحة العجائب في شبه الجزيرة العربية” الذي أقيم في معهد العالم العربي في باريس عام 2019، وساهم في التعريف بتراث العلا الثقافي وتاريخها ومشهدها الثقافي للجمهور العالمي.
كما أخذ التعاون الثقافي بعدا مؤسسيا من خلال “فيلا الحجر”، كمؤسسة ثقافية سعودية فرنسية تعنى بالفنون والإبداع والتبادل الثقافي، وتوفر مساحات للفنون البصرية والتصميم والأداء والسينما والبرامج التعليمية والإقامات الفنية، لتضيف للمشهد الثقافي في العلا منصة جديدة للحوار وتبادل الخبرات بين المبدعين من المملكة وفرنسا والعالم.
التعاون في مجال السياحة والضيافة
وفي جانب آخر من جوانب بناء الإنسان، امتد التعاون إلى السياحة والضيافة من خلال “فيراندي باريس-العلا” الذي يستفيد من تجربة المؤسسة الفرنسية المتخصصة في فنون الطهي والضيافة، ويقدم مسارات تعليمية وتطبيقية في فنون الطهي وإدارة المطاعم وصناعة المعجنات وإدارة الفنادق، مما يساهم في تطوير الكفاءات الوطنية وتأهيلها للعمل في القطاعات المرتبطة بالنمو السياحي الذي تشهده المحافظة.
وتتسع مجالات التعاون لتشمل النقل والبنية التحتية والاستدامة والحفاظ على البيئة والتقنيات وتطوير التجارب السياحية، في مسارات تتكامل مع المشاريع الثقافية والأثرية والتعليمية، وتعكس التوجه نحو الاستفادة من الخبرات العالمية مع الحفاظ على هوية العلا وطبيعتها وتراثها، وتعزيز حضور المجتمع المحلي في عملية التنمية.
وتعكس هذه الشراكة مفهوم التعاون الذي يتجاوز تنفيذ المشاريع إلى تبادل المعرفة وبناء القدرات وإنتاج البحث العلمي وتطوير المؤسسات الثقافية والتعليمية، لتبقى العلا وإرثها ومجتمعها محور هذه المسارات، فيما تتنوع الخبرات والشراكات التي تساهم في استدامة هذا الإرث وتقديمه للأجيال والعالم.

العلا هي جسر تاريخي للحضارات
واليوم تتجدد في العلا صورة التواصل التي كانت معروفة منذ القدم. المكان الذي عبرته القوافل واجتمعت فيه الشعوب والثقافات، يستقبل اليوم باحثين وفنانين وخبراء ومؤسسات من مختلف دول العالم.
وتتجسد الشراكة السعودية الفرنسية كأحد جوانب هذا التواصل المعاصر، امتدادًا لدور العلا التاريخي كجسر للحضارات ومنصة لتبادل المعرفة والثقافة بين الشعوب.
للمزيد : تابع خليجيون 24 ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر



