تقارير

استراتيجية «الحد من الأضرار» لن تحصّن أميركا ضد الهجمات النووية

وقبل أسبوعين، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب للصحافيين إنه يأمل في إقامة علاقات ودية مع كوريا الشمالية وزعيمها كيم جونغ أون، ما يشير إلى تحول ملحوظ في العلاقات بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، رغم أننا مررنا بمثل هذا الوضع من قبل.

ومن المثير للاهتمام أنه أشار أيضًا إلى أن “المملكة المنعزلة” تمتلك “57 سلاحًا نوويًا قويًا جدًا”، وهو عدد صغير مقارنة بإجمالي الرؤوس الحربية الأمريكية البالغة 3700 رأس.

تقترب كوريا الشمالية من تطوير قدرات تسمح لها بضرب الولايات المتحدة بسلاح نووي.

ولكن حتى لو كانت قادرة على القيام بذلك، فإن أميركا لديها خيارات تقليدية ونووية لمواجهة قوة كوريا الشمالية، من أجل تحييد جزء كبير من برنامجها النووي قبل أن تتمكن من شن هجوم.

ومع ذلك، فإن عدد الأسلحة النووية في ترسانة كوريا الشمالية ليس بالقليل، وإدارة ترامب تريد التفاوض مع بيونغ يانغ على الرغم من قدراتها التقليدية والنووية المتفوقة.

ومن المفترض أن يمنح هذا الولايات المتحدة ميزة تفاوضية على “المملكة المنعزلة”، فلماذا ترغب إدارة ترامب إذن في التفاوض؟ لأن هناك فرصة ــ مهما كانت ضئيلة ــ لأن تتمكن كوريا الشمالية من إلحاق ضرر جسيم بالولايات المتحدة وحلفائها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

الاستراتيجية النووية

يؤكد تعليق الرئيس ترامب بشأن كوريا الشمالية الاستنتاج الذي ظل موضع تساؤل منذ فترة طويلة وهو أن عددًا صغيرًا من الأسلحة النووية يكفي لضمان الردع.

إن الأسلحة النووية هي الأسلحة الأكثر تدميرا في تاريخ البشرية، فهي تسبب أضرارا عشوائية وتضر بصحة الأجيال المقبلة، وأغلبها أقوى بكثير من تلك التي ألقيت على هيروشيما وناغازاكي في عام 1945.

إن القوة التدميرية للأسلحة النووية دفعت الباحث العسكري الأميركي برنارد برودي إلى الاستنتاج: “حتى الآن كان الهدف الرئيسي لمؤسستنا العسكرية هو كسب الحروب، ومن الآن فصاعدا يجب أن يكون هدفها الرئيسي تجنبها”.

وكان الرعب المحتمل المتمثل في الحرب النووية دافعا قويا لتجنب استخدامه.

ومن المستحيل حالياً أن تتمكن قدرات الرد العسكرية الوطنية والدفاعات الصاروخية من تدمير جميع الأسلحة النووية للعدو.

ولهذا السبب تسمى هذه الاستراتيجية النووية “الحد من الضرر”. ووفقاً لمنطق هذه الاستراتيجية، إذا ذهبت إلى الحدود القصوى، فإن قدرة الولايات المتحدة على الحد من الأضرار النووية التي تلحقها ستثير الشك في ذهن الخصم حول شن هجوم أو اتخاذ موقف عدواني في المقام الأول.

ومع ذلك، تفترض هذه الاستراتيجية أن الولايات المتحدة وشعبها سيكونون على استعداد لتقبل الأضرار النووية، والأضرار الإشعاعية، والحرائق، والوفيات، ومن الآمن أن نقول إن الأميركيين وأغلب الناس ليسوا على استعداد لقبول مثل هذه المخاطر، حتى لو كان الدمار محدودا. لذا، فبينما ربما تكون الولايات المتحدة قد تخلصت من مبدأ «التدمير المؤكد المتبادل»، فإنها تجد نفسها الآن في حالة «الانتقام المتبادل المؤكد».

الردع الفعال

إن دولة مثل كوريا الشمالية، بأسلحتها النووية المحدودة، لا تستطيع تدمير أمريكا بأكملها، ومع ذلك فإن مجرد التهديد، ومجرد خطر وقوع هجوم نووي واحد يستهدف الأمريكيين أو حلفاء الولايات المتحدة، يكفي لجعل صناع السياسات في واشنطن يترددون.

ولم يكن بوسع توم نيكولز، أكاديمي الشؤون الدولية، أن يعبر عن الأمر بشكل أفضل عندما قال: “إن الردع النووي، حتى باستخدام عدد صغير من القنابل، فعال. احصل على سلاح نووي في أسرع وقت ممكن إذا كنت تريد أن تكون آمنا وأن تعامل بنفس الاحترام الذي تظهره أميركا لكوريا الشمالية”.

ولابد أن تثير قضية كوريا الشمالية هذه الشكوك حول استراتيجية “السيطرة على الأضرار” التي تتبناها الولايات المتحدة وتثير التساؤلات حول مدى فعالية التسلح النووي.

وإذا كانت بضعة أسلحة نووية كافية لردع طرف واحد، وفشلت استراتيجية “الحد من الضرر” في منح الولايات المتحدة نفوذا ملموسا على خصم مسلح نوويا، فهل تحتاج الولايات المتحدة إلى الحفاظ على ترسانتها الضخمة، ناهيك عن توسيعها؟ فهل يتعين عليها أن تتبنى موقفاً نووياً وقائياً وأن تكون مستعدة لتوجيه الضربة أولاً؟ يبدو أن الإجابة هي “لا”.

ويتعين علينا أن نطرح المزيد من الأسئلة المشابهة، لأن الإجابات عليها ستحدد الشكل الذي ينبغي أن تتخذه الاستراتيجية النووية الأمريكية، وما يعنيه الردع النووي، ومدى فائدة الأسلحة النووية في إدارة شؤون الدولة.

للتهديد

إن عدد الرؤوس الحربية التي تمتلكها كوريا الشمالية يؤثر بشكل مباشر على تقييمات التهديد الذي يواجه كوريا الجنوبية، واليابان، والقوات الأميركية في آسيا. وقد يمنح المخزون الأكبر بيونغ يانغ مرونة أكبر في الحفاظ على قوة نووية قابلة للحياة، وتطوير أنظمة لوجستية مختلفة، وربما الاحتفاظ بالأسلحة حتى بعد تعرضها لهجوم عسكري. وقد يؤدي هذا أيضًا إلى تعقيد أي مفاوضات مستقبلية بشأن نزع السلاح النووي.

وإذا نجحت كوريا الشمالية في تطوير أسلحة أكثر مما كان متوقعا في السابق، فإن إقناع بيونج يانج بتفكيك ترسانتها سوف يصبح مهمة دبلوماسية وفنية أكثر صعوبة.

ويشكل هذا التناقض أهمية أيضاً بالنسبة للتخطيط الدفاعي في الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، لأن تقديرات القدرات النووية لكوريا الشمالية تؤثر على القرارات المتعلقة بالردع، والاستعداد العسكري، والدفاع الصاروخي.

ومع ذلك، فإن تزايد عدم اليقين المحيط بترسانة كوريا الشمالية يفرض ضغوطا على هذا الترتيب، خاصة مع استمرار بيونغ يانغ في تطوير قدراتها النووية والصاروخية.

وأمضت بيونغ يانغ سنوات في توسيع قدراتها النووية، في حين فشلت المفاوضات مراراً وتكراراً في التوصل إلى اتفاق يمكن التحقق منه لنزع السلاح. وقد يؤدي النهج الدبلوماسي المتجدد لترامب إلى فتح قناة اتصال مهمة مع كيم، لكن الظروف الاستراتيجية تغيرت بشكل كبير منذ قمتهما الأولى.

حول “المصلحة الوطنية”

. إن مجرد خطر وقوع هجوم نووي واحد يستهدف الأميركيين يكفي لجعل صناع القرار السياسي في واشنطن يترددون.

. وتؤثر القدرات النووية لكوريا الشمالية على القرارات المتعلقة بالردع، والاستعداد العسكري، والدفاع الصاروخي.


الوضع صعب

ويبدو أن كوريا الشمالية تمتلك الآن قدرة نووية أكبر وأكثر رسوخاً، في حين تظل كوريا الجنوبية ملتزمة بالاعتماد على الردع الموسع الذي تتمتع به الولايات المتحدة، بدلاً من تطوير ترسانتها الخاصة، وهذا يضع سيول في موقف موازنة صعب.

ويجب على كوريا الجنوبية تعزيز قدرتها على ردع جارتها الشمالية، دون تجاوز النقطة التي تدفعها إلى تطوير أسلحتها النووية الخاصة، وفي الوقت نفسه يجب على واشنطن طمأنة حليفتها، مع محاولة إقناع بيونغ يانغ بالعودة إلى المفاوضات.

للمزيد : تابع خليجيون 24 ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى