استمارات إلكترونية «سرية» للإبلاغ عن «تنمّر القروبات» في المدارس

كشف مديرو المدارس عن إنشاء وتفعيل نماذج إلكترونية سرية للسلامة المدرسية، تمكن الطلاب من الإبلاغ عن “التنمر الجماعي” وما يرتبط به من سخرية وإقصاء وسلوك غير لائق، وذلك ضمن الإجراءات الاحترازية لحمايتهم خلال العام الدراسي 2026-2027.
وأكدوا لـ«الإمارات اليوم» أن النماذج تنقل ما يحدث داخل المجموعات المغلقة إلى عملية مدرسية رسمية توثق الحادثة وتحدد خطورتها ومدى حاجتها للتدخل العاجل، وبالتالي تسريع فرز البلاغات والرد عليها، وكسر صمت المتضررين، واحتواء الإساءات في البيئة المدرسية.
قنوات رقمية جديدة
وتفصيلاً، رصدت «الإمارات اليوم» قنوات رقمية أنشأتها إدارات المدارس لضبط السلوكيات غير اللائقة داخل المجموعات الطلابية المخصصة للأغراض التعليمية، مثل السخرية والإقصاء والتهديد والابتزاز، وكسر صمت الطلاب الذين يتعرضون للتنمر، من خلال تحويل «لقطة الشاشة» إلى تقرير موثق يتطلب تدخلاً مدرسياً عاجلاً.
وصنفت النماذج، التي اطلعت عليها «الإمارات اليوم»، البلاغات إلى ست فئات: التنمر، التهديد أو الابتزاز، الاعتداء أو الإساءة، التحرش أو السلوك غير اللائق، الشعور بعدم الأمان، وأي حادثة أخرى تتطلب التدخل، ما يفتح قناة سرية للطلبة المتضررين لطلب الحماية دون مواجهة المتنمر أو الكشف عن تفاصيلها لزملائهم.
“مجموعات التنمر”
وأكد مدير مجموعة مدارس الديوان الدكتور محمد نظيف، أن “التنمر الجماعي” قد يبدأ بلقب ساخر أو صورة تنشر دون إذن، ثم يتصاعد بالتعليقات والملصقات وإعادة التداول إلى الإيذاء النفسي الممنهج، ومحاصرة الطالب بالإساءات المتكررة أمام زملائه.
وحذر من تمرير هذه التصرفات على أنها “مزاح”، فالتفاعل أو إعادة النشر أو الصمت يغذي شعور المتنمر بالمساندة، ويوسع دائرة الإهانة، ويضاعف الضرر النفسي للمستهدف.
وأكد أن فعالية النماذج الإلكترونية المطورة حديثاً لا تقاس بعدد البلاغات، بل بقدرة المدرسة على كسر صمت الطلاب الذين يتعرضون للتنمر، وتحويل الأدلة الرقمية إلى استجابة سريعة وسرية توقف الإساءة، وتحمي الضحية، وتعالج سلوك المتنمر، وتمنع الانتقام الرقمي والاستهداف المتكرر.
الإجراءات المعتمدة
قال مدير مدرسة دبي للتربية الحديثة بالدائرة الوزارية، خالد عبد الحميد، إن المدارس لم تعد قادرة على فصل السلوك داخل المبنى عما يحدث رقمياً بين طلابها، عندما تمتد آثار الحادث إلى البيئة التعليمية أو تؤثر على سلامة الطالب النفسية وعلاقاته وتحصيله الدراسي.
وأوضح أن حدوث الإساءة بعد انتهاء الدوام الدراسي أو ضمن مجموعة خاصة لا ينفي أثرها المدرسي، لافتاً إلى أن التدخل لا يعني مراقبة حسابات الطلاب أو انتهاك خصوصياتهم، بل تلقي التقارير المتعلقة بسلامتهم والتحقق منها والتعامل مع تداعياتها وفق الإجراءات المعتمدة.
دورة عاجلة
وأكدت مديرة إحدى المدارس سارة طارق، أن الاستمارة تختصر الطريق بين الطالب والجهة القادرة على حمايته، وتمنع تشتت البلاغ بين المعلم والإدارة والأخصائي الاجتماعي، لافتة إلى أن الحالات التي تنطوي على ابتزاز أو سلوك غير لائق تنقل مباشرة إلى مسار عاجل يراعي طبيعة الخطر.
وأضافت أن المدرسة تبدأ بحماية الطالب، وإيقاف مصدر الضرر، ثم فحص الأدلة، والاستماع إلى الأطراف، والتواصل مع الأسرة، قبل تحديد التدخل التربوي والنفسي والسلوكي، أو إحالة الحالة إلى الجهات المختصة عند الحاجة.
تفاصيل تقرير الطالب
من جانبها، قالت مديرة إحدى المدارس خلود فهمي، إن نجاح القناة السرية يعتمد على معرفة الطالب بما سيحدث بعد إرسال التقرير ومن سيراه وكيف سيتم حماية هويته، مشددة على ضرورة إعلام الطلاب بهذه الإجراءات منذ بداية العام، وليس مجرد إرسال رابط الاستمارة إلى الأهالي.
وأوضحت أن البلاغ سري لكنه ليس مجهولا، إذ تطلب الاستمارة اسم الطالب ووصفه وفرعه لتمكين المدرسة من الوصول إليه وحمايته والتحقق من الواقعة، فيما تلتزم الإدارة بقصر الوصول إلى بياناته على المعنيين، ومنع تداول اسمه أو تفاصيل بلاغه خارج نطاق الحاجة المهنية.
تدريب الطلاب
وقال المعلم عادل محمود، إن مواجهة “التنمر الجماعي” تبدأ بتدريب الطلاب على قراءة السلوك الرقمي، وتمييز المزاح المتبادل عن الإهانة المتعمدة، والخلاف العابر عن الاستهداف المتكرر، مع تفكيك المواقف الواقعية التي توضح حدود التعليق والمشاركة وإعادة النشر.
وأضاف أن الوعي الرقمي يجب أن يتحول إلى ممارسة يومية داخل الفصل الدراسي، انطلاقا من قاعدة: “لا ترد ولا تعيد نشر ولا توثق ولا تحظر ولا تبلغ”، بما يمنع تصاعد الإساءة، ويحفظ الأدلة، ويثبت مسؤولية كل فرد في المجموعة في وقف التنمر، وليس تأجيجه.
قناة المدرسة الموحدة
وأكد أولياء الأمور: إيهاب زيادة، محمد طه، ميادة حسن، ولاء العيساوي، ووضحة حمدان، أن تخصيص قناة مدرسية موحدة وسرية للتبليغ ينهي تشتت الأسر بين المعلم والمرشد والإدارة، ويوفر مساراً واضحاً لمتابعة الحالة، مع الإشعار باستلام البلاغ والبدء بمعالجته دون المساس بخصوصية الطلاب.
وشددوا على أن المواجهة الأسرية تبدأ بالاستماع والاطمئنان وحفظ الأدلة، وليس باللوم أو مصادرة الهاتف أو التهديد بالحظر، لأن الخوف من ردة الفعل قد يدفع الطالب إلى الصمت وإخفاء ما يتعرض له. وحذروا من مواجهة الطالب الآخر أو عائلته، أو تداول محتوى مسيء ضمن مجموعات أولياء الأمور، لما في ذلك من فضح الضحية، ومضاعفة الضرر، وإرباك التحقق.
حماية الشخص المصاب
وقال الأخصائي الاجتماعي والمستشار الأكاديمي في مدرسة الإمارات الوطنية علاء إسماعيل الزرو، إن التعامل مع البلاغ يبدأ بتأمين الطالب وطمأنته ومنع التصعيد، ثم حفظ الأدلة وتحديد الأطراف وتقدير حجم الضرر واحتمال استمرار الإساءة.
وأوضح أن تحديد وجود تهديد قائم يجعل الاستمارة الإلكترونية أداة إنذار مبكر، ويلزم المدرسة بمتابعة البلاغات والاستجابة الفورية للحالات العاجلة، مؤكدا أن التدخل لا ينتهي بحذف الرسالة أو إغلاق المجموعة، بل يمتد إلى منع الانتقام ومراقبة نقل الإساءة إلى حسابات أو مجموعات أخرى.
وأضاف أن الخوف من الكشف عن الهوية أو فقدان الأصدقاء يغذي صمت الطلاب الذين يتعرضون للتنمر، داعيا إلى ترسيخ ثقافة “الشاهد الإيجابي” من خلال توثيق الإساءة ودعم الشخص المتضرر والإبلاغ عنها، مع حماية التقارير المقدمة بحسن نية والتحقق منها بشكل عادل للتمييز بين الشكوى المسؤولة والادعاء الكيد.
إساءة
من جانبه، حذّر المستشار النفسي الدكتور أحمد عيد، من اختزال “التنمر الجماعي” في رسالة أو صورة يمكن حذفها، مؤكدا أن حدوث الإساءة أمام جمهور وإمكانية إعادة تداولها يمتد أثرها النفسي، ويبقي الطالب أسير الإهانة والخوف حتى بعد توقفها ظاهريا.
وأوضح أن الخوف من مصادرة الهاتف أو وصمها بالضعف أو تحميل الضحية مسؤولية ما تعرضت له، يدفع بعض الطالبات إلى التزام الصمت، فتتسع الإساءة وتظهر آثارها في العزلة، والرفض المدرسي، وتراجع التحصيل والمشاركة، واضطراب النوم، والخوف من الهاتف أو بعض الزملاء.
وأكد أن الرد يبدأ بالاحتواء والتحقق والطمأنة، بعيدا عن الاستجواب واللوم، فيما يمثل المعلم خط المراقبة الأول لملاحظة التغيرات السلوكية وإحالة الطالب إلى المختصين بسرية، بدلا من استجوابه أو مواجهة أطراف الحادثة.
الضمانات
وقالت الخبيرة التربوية الدكتورة نورة المهيري، إن نماذج السلامة تمثل احترازاً مهماً في بداية العام الدراسي، لكن لا يمكن تحويلها إلى نظام حماية فعال دون خمس ضمانات: سهولة الوصول، والمتابعة الدائمة للبلاغات، والاستجابة الفورية للحالات العاجلة، وحماية المبلغين والشهود، ومراقبة الوضع بعد التدخل.
وأكدت أن نجاح المدارس في مكافحة «التنمر الجماعي» لا يقاس بعدد المحاضرات والرسائل التوعوية، بل بسرعة تحويل البلاغ إلى إجراء يحمي الضحية، ويوقف الإساءة، ويصحح سلوك المتنمر، ويمنع الاستهداف من الانتشار إلى فئة جديدة.
وختمت أن النموذج يكسر حاجز الصمت، لكن الحماية تبدأ فعليا بعد الضغط على زر “إرسال”، حيث تتحول “لقطة الشاشة” إلى تقرير موثق، ثم إلى تدخل سريع وسري يعيد للطالبة الأمان ويوقف ملاحقة المتنمر خارج أسوار المدرسة.
7 خطوط دفاع
وتدعم النماذج السرية المطورة حديثاً سبعة خطوط دفاع لمواجهة “التنمر الجماعي”، وهي: عدم مواكبة المتنمر، وتوثيق الأدلة، والإبلاغ المبكر، وحظر الحساب المخالف والإبلاغ عنه، وحماية الخصوصية، وتعزيز ثقة الضحية بنفسه، وإحاطته بدائرة إيجابية من الأصدقاء.
ولا تكتمل فعالية هذه الآليات دون وجود قناة سرية يسهل الوصول إليها، ومتخصص مؤهل لدراسة البلاغ، واستجابة عاجلة، وتواصل منظم مع العائلة، ومتابعة توقف طريق الانتقام وتمنع تكرار الاستهداف. حظر حساب لا يؤدي إلى إنهاء التنمر إذا عاد عبر حساب آخر، أو تحول إلى هجوم جماعي ضمن مجموعات متعددة، وهو ما يتطلب معالجة جذور السلوك والعلاقات بين الطلاب، وليس مجرد حذف الرسالة المسيئة.
للمزيد : تابع خليجيون 24 ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر




