تقارير

محمد بن راشد يوجه رسالة إلى مكتوم بن محمد

بعث صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، رسالة إلى سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم النائب الأول لحاكم دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير المالية، ضمن كتابه «رسائل» الذي أطلقه سموه والذي يتضمن 26 رسالة موجهة إلى أبنائه وأسرته وفريق عمله وأبناء وطنه والعالم، تلخص خلاصة ستة عقود من العمل العام، لتشكل مرجعاً معرفياً وفكرياً للحاضر والأجيال القادمة.

جاء فيه:

“رسالة إلى مكتوم

إلى مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم.. الابن الدعم والمؤازرة والثقة..

إلى مكتوم المؤتمن على تاريخنا ومسيرتنا وتراثنا ومدينتنا..

إلى مكتوم حافظ المكاسب، مؤيد الإنجازات، أمين ثروات الأجيال..

أكتب إليك هذه الرسالة، الثقة فيك تملأ قلبي، والاعتزاز بك يفخر بي، والتفاؤل بك والمستقبل يريح ضميري.

لقد كنت خير أمين على المهام التي عهدنا بها إليك، وخير سندا لولي العهد، وأخيك، وخير ولد لأمك وأبيك. الله يحفظك ويوفقك ويرعاك.

لقد أحببت سعة الاطلاع لديك وطبيعتك الهادئة وقدرتك على الاستماع إلى محاوريك. رأيت فيك صفات جدك: قلة الكلام، وقوة الالتزام، وكثرة الإنجاز، وعمق البصيرة، والإصرار القوي على إكمال الرحلة.

مكتوم بن محمد… الدول كالبنيان، لها أعمدة تدعمها لا نراها، لها أسوار عالية تحميها، ولها ساحات خارجية وحدائق تجملها… وأنت يا مكتوم أحد أعمدة هذه الأمة التي تقوم بمسؤولياتها بصمت، وتخدم شعبها بإخلاص، وتدعم هذا البناء الضخم بمواصلة الليل والنهار.

توليتم ميزانيات الاتحاد وحققتم النجاح، وتسلمتم مسؤوليات اقتصاد دبي وحققتم الابتكار، وترأستم مجلسه القضائي وحققتم العدالة.

وتواصلون مع إخوانكم وفريق عملكم دراسة المشاريع، وتحافظون على توازن الميزانيات، وتتابعون الإدارات والخدمات، وتؤسسون دبي مركزاً عالمياً للمال والثروات، وتحافظون على هذه المكتسبات لأجيالنا القادمة.

وفقك الله يا مكتوم… واعلم أن اعتزازي بك وفرحي بعملك لا مثيل له. إن وجودكم بجانبي يخفف عني عبء الأمانة، ويشعرني بالطمأنينة والراحة، ويمنحني قدراً كبيراً من التفاؤل بمستقبل دبي ومكانتها ومكانتها.

أردت في هذه الرسالة يا مكتوم أن أنقل لك بعضاً مما علمتني الحياة. الحكمة هي أفضل ما يمكن أن أقدمه لك، والتجارب ليست مجرد أحداث نرويها، بل تجارب تلخص سنوات عديدة.

علمتني الحياة يا مكتوم أن المدن تنمو ليس فقط من خلال تراكم الخبرات، بل من خلال تراكم الطموحات أيضًا. المدن التي قادت العالم وسيطرت عليه عبر التاريخ لم تكن أغنى المدن، بل هي الأكثر جذبا للطموحات.. طموحات الإنسان من العلماء والتجار والرواد والمغامرين.

إنها مدن تخلق شعوراً بالحركة والطاقة؛ سهولة الحركة، وسرعة القرارات، وكثرة الفرص، وكثافة العلاقات، وتدفق المعرفة والمعلومات.

توفر المدن الناجحة بيئة تتفاعل فيها الثروة مع الأفكار والمؤسسات.

اقرأ تاريخ بغداد العباسية وأثينا اليونانية والبندقية الإيطالية. وفي تاريخنا الحديث مدن مثل نيويورك ولندن وسنغافورة وغيرها، كلها كانت تقوم، في جوهرها، على التنافس على الإنسان.. مواهبه، وطموحاته، وأفكاره، وفضوله، واكتشافاته، ومغامراته.

يهرب الإنسان بطموحاته من بيئات متشائمة، ومجتمعات خائفة لا تحترم الأحلام، ولا تكافئ الطموحات، ولا تتفاعل مع الأفكار.

علمتني الحياة أن الموانئ والمطارات لا تنقل البضائع فحسب، بل تنقل المعرفة وطرق التفكير الجديدة والتقنيات المختلفة وتخلق ثروات غير متوقعة.

ومهمة الحكومات الواعية هي تهيئة هذه البيئات، وجذب الحالمين، وترسيخ التسامح الحقيقي القادر على استيعاب هذه القدرات والكفاءات، وإنشاء مركز عالمي لتبادل المعرفة والأفكار والسلع والثروات.

إن منطقتنا التي نعيش فيها غالبا ما تمر بالحروب والتحديات والتغيرات الجيوسياسية. ولا أشك لحظة واحدة في أن النموذج الذي بنيناه متين وقوي ودائم، لأن ثوابتنا لم تتغير، وبيئتنا لم تتغير، وخدماتنا تتطور، وطاقة الإبداع والحياة والحركة والتجديد لا تتوقف. ولهذا لا نخاف.. لا نخاف ولدينا جرأة التجربة، وتراكم العقول والمعرفة، وعقلية الانفتاح، ومبدأ أن الجميع يربح عندما يعملون معنا.

علمتني الحياة يا مكتوم أن المدن لا تنهار أو تتراجع فجأة لأسباب خارجية قاهرة، بل يبدأ تراجعها من الداخل.. عندما تتجمد حركتها، وينتشر التشاؤم في بيئاتها، وتبدأ مجتمعاتها في الانغلاق على نفسها ورفض الأفكار المختلفة.

علمتني الحياة أن روح الابتكار في المجتمعات هي شرارة وطاقة إذا اختفت لا يمكن استبدالها بسهولة. وعندما تنطفئ هذه الروح، تحل محلها تقاليد مؤسسية، وأنظمة جامدة، ومجتمعات تخشى على مكاسبها. تتراجع الطاقة الإبداعية التي خلقت الرخاء، ويهاجر الطموح.. وهجرة الطموح أسرع من هجرة الأموال.

علمتني الحياة يا بني أن نجاح المدن ليس في موقعها، ولا في ثرواتها ومواردها، بل في عقليتها. المدن التي تتبنى عقلية التاجر تحب الاستكشاف، وتحتضن الانفتاح، وتحب تبادل السلع والمعرفة والمنافع، وتثق بالمستقبل. أما المدن التي ترى في الآخرين تهديداً لمصالحها، وتتحسس الخطر في كل خطواتها، وتسيطر عليها غريزة الخوف في كل علاقاتها، فقد حكمت على نفسها بالانحدار والانهيار.

ولعل هذا هو الدرس الأهم في استمرار الازدهار يا مكتوم. القصة في العقلية وليست في الجغرافيا.

والحفاظ على عجلة النمو يبدأ بحماية هذه العقلية وتغذية هذه الثقافة.. ثقافة دبي، عقلية التاجر، روح الجرأة والانفتاح والحركة الدائمة.

وفقك الله يا بني، وحفظك ورعاك، وسدد طريقك إلى المجد والازدهار.

والدك المحب ..
محمد بن راشد آل مكتوم.

للمزيد : تابع خليجيون 24 ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى