صعود اليمين المتطرف يعيد رسم المشهد السياسي في أوروبا

ربما تكون الانتخابات الأخيرة التي شهدتها ولاية ساكسونيا-أنهالت الألمانية أحد أهم المعالم الانتخابية وأكثرها تأثيرا في تاريخ البلاد منذ الحرب العالمية الثانية.
وعلى الرغم من فشل حزب البديل من أجل ألمانيا في الفوز بالأغلبية، فإن هذا الحزب الشعبوي اليميني المتطرف، الذي حصل على 43.8% من الأصوات، أصبح أقرب من أي وقت مضى لقيادة حكومة الولاية. في المقابل، شهد الحزب الديمقراطي المسيحي انهياراً في موقعه كقوة مهيمنة تقود المشهد السياسي في الدولة.
وتمتد تداعيات صعود حزب البديل من أجل ألمانيا إلى ما هو أبعد من حدود ولاية “ساكسونيا أنهالت”، حيث ضاعف الحزب حصته من الأصوات مقارنة بعام 2021، وسط نسبة مشاركة قياسية بلغت 77.8%، ارتفاعا من 60.3%.
وتناقضت هذه النتيجة مع الافتراض السائد والمطمئن بأن ارتفاع نسبة الإقبال يصب بطبيعته في مصلحة التيار السياسي الوسطي، إذ إن الناخبين الذين امتنعوا سابقا عن التصويت لم يعودوا للدفاع عن المؤسسة السياسية القائمة، بل عادوا – بشكل لافت – لمعاقبتها.
انتخابات فرنسا
ويمثل فوز حزب البديل من أجل ألمانيا، للوهلة الأولى، دافعا مشجعا لزعيمة اليمين المتطرف ورئيسة حزب التجمع الوطني اليميني في فرنسا مارين لوبان. يشير هذا الانتصار إلى أن المشاعر المناهضة للمؤسسة قد بلغت مستويات عالية للغاية في أوروبا، الأمر الذي يسمح حتى للأحزاب التي تتبنى مواقف أكثر تطرفاً من مواقفها بتحقيق النجاح. وإذا تمكن حزب يضم مدافعين عن النازية من تحقيق نتيجة قياسية، فلا ينبغي لوبان أن تفشل ببساطة لأن سياساتها تفتقر إلى الجدوى الاقتصادية.
وقد جذبت المكاسب الكبيرة وغير المتناسبة التي حققها حزب البديل من أجل ألمانيا، بفضل الإقبال المرتفع على التصويت، انتباه الاستراتيجيين في حزب لوبان، الذين يزعمون أن استطلاعات الرأي لا تبالغ في تقدير قوته قبل انتخابات الربيع المقبل فحسب، بل وربما تقلل من تقديرها.
وعادة ما تكون النتائج الفعلية للوبان وحزبها أقل من التوقعات التي تشير إليها استطلاعات الرأي، وهذا ما حدث أيضا في الانتخابات البلدية التي جرت هذا العام.
وتتقدم المرشحة بفارق يتراوح بين 13 و15 نقطة مئوية على منافسيها في استطلاعات الرأي التي تسبق الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في 18 أبريل 2027، وتظهر استطلاعات جولة الإعادة في 2 مايو تفوقها على أي منافس محتمل.
ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن لوبان لم تدل بأي تصريح علني حول فوز حزب البديل من أجل ألمانيا.
وتركت مهمة التعليق لأحد أقرب حلفائها، الممثل البرلماني عن منطقة السوم، جان فيليب تانجوي، الذي رحب بالمد القومي المتصاعد، ولكنه أعرب عن “استيائه العميق” إزاء دعم الناخبين للأشخاص الذين “يستخفون” بماضي ألمانيا النازي.
الحيرة والتردد
وتشير مصادر مطلعة داخل حزب التجمع الوطني إلى أن لوبان تعيش حالة من الارتباك والتردد بشأن ما إذا كان الفوز الذي حققه حزب البديل من أجل ألمانيا يمثل خبرا جيدا أم سيئا لها. ومن الواضح أن المزاج العام ضد المؤسسة السياسية وحركة الوسط لا يزال قويا.
وتخشى لوبان أن يثير نجاح حزب البديل من أجل ألمانيا المخاوف بين الناخبين الفرنسيين المحافظين والأثرياء، وهي المجموعة التي تحتاج إلى دعمها من أجل الفوز في جولة الإعادة.
إيطاليا… نموذج مختلف
وتقدم إيطاليا نموذجا مختلفا لنفس التحدي، حيث ترأس رئيسة الوزراء جيورجيا ميلوني حكومة يمينية تصف نفسها بالقومية، على الرغم من أنها حافظت على نهج أقرب كثيرا إلى التيار الأوروبي السائد مما كان يخشاه العديد من معارضيها.
ومع ذلك، فإن الصعود السريع لحزب المستقبل الوطني اليميني المتطرف يظهر أن تولي السلطة كشف، ولم يلغي، المساحة السياسية المتاحة ليمين ميلوني.
تأسس حزب المستقبل الوطني قبل أقل من عام، إذ أطلقه في فبراير/شباط الماضي الجنرال السابق في القوات المحمولة جوا، روبرتو فاناتشي، الملحق العسكري السابق في موسكو. وبلغت نسبة التأييد له في استطلاعات الرأي نحو 8%، وهي في تزايد مستمر.
وعلى النقيض من المبادرات المماثلة في الماضي، يتجاوز الحزب بوضوح عتبة 3% اللازمة للفوز بمقاعد في البرلمان الإيطالي، كما تجاوز شريكي ميلوني الأصغر في الائتلاف الحكومي من حيث الشعبية: حزب فورزا إيطاليا وحزب الرابطة.
وأدى نمو هذا الحزب إلى خسارة حزب الرابطة – الذي كان فاناتشي شخصية بارزة فيه سابقا – حصة أكبر من ناخبيه، مقارنة بالخسارة التي مني بها حزب “إخوة إيطاليا” الذي تتزعمه ميلوني.
جذب الناخبين
وكما هي الحال في ولاية ساكسونيا أنهالت الألمانية، فإن اليمين المتطرف لا يقتصر على إعادة ترتيب قاعدته الانتخابية الحالية، بل ينجح أيضاً في جذب الناخبين المترددين في التصويت والذين فشلت الأحزاب التقليدية في الوصول إليهم.
وهنا يمكن استخلاص ثلاثة استنتاجات. فأولا، من الواضح أن هناك مجالا للقوى السياسية التي تقف على يمين ميلوني، حيث أدت نوبات التضخم المتكررة وما يترتب على ذلك من ضغوط على الدخول الحقيقية إلى السخط. لكن أحزاب المعارضة الإيطالية لم تكسب سوى القليل من هذا الوضع. لقد تولى جميعهم السلطة مؤخراً، بل إن بعضهم ظل في السلطة طيلة القسم الأعظم من العقد الماضي.
وكما هو الحال مع حزبي «الديمقراطي المسيحي» و«الديمقراطي الاشتراكي» في ألمانيا، لم تعد هذه الأحزاب تشكل بديلاً مقنعاً للناخبين الذين يرغبون في معاقبة النظام القائم.
أما النتيجة الثانية، فإن سقف النمو المحتمل لحزب المستقبل الوطني أقل من سقف النمو لحزب البديل من أجل ألمانيا، حيث تظل جاذبيته لدى الناخبين اليساريين محدودة، مما يشير إلى أن الانقسام الإيديولوجي في إيطاليا قوي نسبيا.
ويتعمد فاناتشي أن يتبنى لغة ورمزية اليمين المتطرف، بما في ذلك إثارة الحنين إلى عصر الدكتاتورية الفاشية. ورغم أن هذا النهج قد يعزز القاعدة الشعبية لحزبه، فإنه سيجعل من الصعب للغاية على الحزب أن يزيح “إخوان إيطاليا” من موقع القوة المهيمنة في معسكر اليمين.
وهذا يقودنا إلى الاستنتاج الثالث والأكثر أهمية: فالإصلاح الانتخابي في إيطاليا من شأنه أن يعزز نفوذ فاناتشي، في حين يعمل في الوقت نفسه على تقييد الحيز المتاح أمامه للمناورة. ومن خلال إجبار الأحزاب بشكل فعال على تشكيل تحالفات قبل الانتخابات، فمن المرجح أن يجبر هذا الإصلاح ميلوني على ضم فاناتشي إذا أرادت تأمين أغلبية برلمانية.
ومع ذلك، فإن دخول فاناتشي إلى الحكومة لن يكون كزعيم لحركة بديلة (متمردة)، بل كعضو أكثر تطرفا في ائتلاف يميني أوسع وأكثر اعتدالا. مجتبى الرحمن* *المدير الإداري لأوروبا في مجموعة أوراسيا. عن “البرلمان”
درس معقد
والدرس الذي يمكننا استخلاصه من انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت الألمانية أكثر إزعاجاً وتعقيداً من الزعم بأن أوروبا تنزلق ببساطة نحو اليمين.
لن يتكرر نجاح حزب البديل من أجل ألمانيا تلقائيا في أماكن أخرى، ولكن الغضب الذي أدى إليه لا يقتصر على ألمانيا الشرقية. ولا ينبغي للأحزاب الكبرى أن تطمئن إلى أن هذا الشعور سيتخذ أشكالاً مختلفة من دولة إلى أخرى.
• المكاسب التي حققها حزب البديل من أجل ألمانيا وصعود اليمين الإيطالي وضعت لوبان في مواجهة معادلة انتخابية صعبة في فرنسا.
للمزيد : تابع خليجيون 24 ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر




