«تقليل المخاطر» بدل فك الارتباط.. نهج ألمانيا الجديد تجاه الصين

بدأ المستشار الألماني فريدريش ميرز زيارة للصين أمس، يرافقه وفد يضم نحو 30 رجل أعمال. وقد يبدو هذا المشهد مألوفا في سياق العلاقات الألمانية الصينية، إذ اعتادت المستشارة السابقة أنجيلا ميركل أن ترافق وفودا اقتصادية كبيرة معها خلال زياراتها المتكررة إلى بكين، كما اتبع المستشار السابق أولاف شولز النهج نفسه خلال فترة ولايته القصيرة.
لكن تأخير ميرز نحو 10 أشهر قبل القيام بزيارته الأولى للصين، أكبر شريك تجاري لألمانيا، لم يمر مرور الكرام، سواء في برلين أو في بكين. ويعتبر هذا التأخير مؤشرا على أن نهج ميرز قد يختلف عن أسلافه، حيث أن السوق الصينية لم تعد مزدهرة للصادرات الألمانية فحسب، بل إن قطاعات كبيرة من الصناعة الألمانية ترى الآن الصين كمنافس مباشر وتهديد لمصالحها الحيوية. ولذلك، فإن العديد من الجهات الاقتصادية الفاعلة تتوقع من المستشارة أن تنقل هذه المخاوف بوضوح إلى القيادة الصينية.
ومن المقرر اليوم أن يستقبل رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ حزب ميرتس، قبل أن يلتقي لاحقا بالرئيس شي جين بينغ لإجراء محادثات قبل مأدبة عشاء.
وتشمل زيارة ميرز، التي تستمر ثلاثة أيام، العاصمة بكين، بالإضافة إلى مدينة هانغتشو، أحد أبرز مراكز التكنولوجيا المتقدمة في الصين، في اعتراف ضمني بوضع الصين الحالي كقوة عظمى ذات ثقل اقتصادي وفني عالمي. إلا أن أجواء الزيارة ستتأثر بالمناخ السياسي الكئيب داخل ألمانيا، حيث تعتقد الحكومة أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لن يتمكن من مواصلة الحرب في أوكرانيا دون دعم صيني، كما تتزايد تقارير المخابرات الألمانية بشأن الهجمات الإلكترونية وأعمال التجسس المشتبه في ارتباطها بالصين.
“تقليل المخاطر”
ومن المتوقع أن يثير ميرتس هذه القضايا مع الرئيس الصيني، رغم أنه لا يتوقع حدوث تغيير جذري في المواقف. وبدلاً من ذلك، فإنها ستعطي الأولوية لسياسة “تقليص المخاطر” الناجمة عن اعتماد ألمانيا الكبير على الصين. ويتجلى هذا النهج في السعي إلى معالجة نقاط الاختناق التي كشفت هشاشة سلاسل التوريد الألمانية، خاصة بعد تهديد الصين بفرض قيود على صادرات العناصر الأرضية النادرة والرقائق الإلكترونية، وهو ما هدد بتعطيل خطوط الإنتاج وأثار قلقا كبيرا بين المستوردين الألمان.
بالإضافة إلى ذلك، تبرز مسألة الخلل التجاري، فمن وجهة النظر الألمانية فإن العلاقة التجارية لم تعد متوازنة. وتراجعت صادرات السيارات والبضائع الألمانية إلى الصين بشكل كبير، في حين زادت الواردات من الشركات الصينية التي تواجه ضغوطا سعرية في سوقها المحلية، مما أدى إلى تضخم العجز التجاري ليصل إلى نحو 90 مليار يورو، أي ما يعادل نحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا.
كما دفع ضعف الطلب المحلي في الصين الشركات الصينية إلى زيادة صادراتها، بما في ذلك السيارات، مما سمح لها بالاستيلاء على حصص سوقية من منافسيها الألمان في الأسواق الدولية الأخرى.
المنافسة غير التجارية
تعرب القطاعات الصناعية الألمانية عن استيائها من دعم الحكومة الصينية وتراجع قيمة اليوان، معتبرة أن المنافسة لم تعد تجارية بحتة، بل مدعومة بقدرات الدولة الصينية. وعبّر أوليفر ريتشبيرغ، من رابطة صناعة الهندسة الميكانيكية، التي تضم نحو 3600 شركة ألمانية وأوروبية، عن ذلك بقوله: «الشركات الألمانية لا تتنافس مع الشركات الصينية فحسب، بل تنافس ميزانية دولة بأكملها».
ويؤكد اتحاد الصناعات الألمانية أن الضغوط التنافسية تشمل قطاعات متعددة، من صناعة السيارات إلى الصناعات الكيماوية والصيدلانية، وقد أدى ذلك إلى ما يسميه بعض الألمان “الصدمة الصينية”، في إشارة إلى التحول الجذري الذي شهدته الشركات العائلية المتوسطة الحجم، التي كانت تعمل منذ عقود في مجالات صناعية مستقرة قبل أن تجد نفسها مضطرة إلى إعادة صياغة نماذج أعمالها.
وفي ولاية بادن فورتمبيرغ، التي تتمتع بثقل صناعي كبير، يحذر بعض المرشحين السياسيين من خطر تحولها إلى “ديترويت أوروبا”، وهي استعارة تعكس القلق على مستقبل صناعة السيارات.
لعبة جديدة
ومع ذلك، لا تتبنى جميع الشركات الألمانية موقفًا موحدًا. وهناك مجموعات رئيسية، مثل شركة الصناعات الكيميائية العملاقة BASF، التي ضاعفت استثماراتها في الصين، وتتحرك شركات ألمانية أخرى لإعادة توطين عملياتها داخل الصين، مستفيدة من سلاسل التوريد المحلية وتطوير المنتجات من خلال موظفين صينيين، مع إعادة استثمار الأرباح هناك. أما شركة فولكسفاغن فتسعى إلى تحويل الصين إلى مركز تصدير لأسواق عالمية أخرى، في خطوة تثير جدلا داخليا بسبب تأثيرها المحتمل على فرص العمل داخل ألمانيا.
ويعتقد بعض المحللين أن استراتيجية “في الصين من أجل الصين” تهدف إلى تجنب الرسوم الجمركية، والتكيف مع الأنظمة المحلية، وتعظيم حصة السوق، في حين يرى آخرون أنها وسيلة للحفاظ على القدرة التنافسية من خلال الاستفادة من الابتكار والبحث والتطوير الصيني.
وفي هذا السياق، قال ميكو هوتاري من شركة ميركس للأبحاث في برلين، إن الشركات الألمانية العاملة في الصين تلعب “لعبة جديدة تماما”، حيث أصبحت الفروع الصينية مستقلة بشكل متزايد عن مقارها الرئيسية، ويطرح سؤال حول مدى التزام الحكومة الألمانية بالدفاع عن مصالح تلك الفروع.
ينقسم
ولا يقتصر الانقسام على القطاع الصناعي، بل يمتد إلى الحكومة الألمانية نفسها. ويميل التيار الليبرالي إلى الإبقاء على الحواجز التجارية منخفضة، في حين يركز مسؤولو المناخ على الاستفادة من التكنولوجيا الخضراء الصينية، في حين يدعو المسؤولون الأمنيون إلى موقف أكثر صرامة، بسبب دعم الصين لخصوم أوروبا. ويشير ساندر توردور من مركز الإصلاح الأوروبي إلى أن سياسة ألمانيا تجاه الصين لا تزال تفتقر إلى الوضوح الاستراتيجي.
وعلى الرغم من أهمية زيارة ميرز للصين، يرى تورستن بينر من معهد السياسة العامة العالمية أن التركيز الرئيسي لسياسة ألمانيا تجاه الصين يكمن في الإطار الأوروبي. وبدأت برلين في دعم تشديد فحص الاستثمار، كما حدث عندما تم استبعاد شركة مينغيانغ الصينية من مشروع لطاقة الرياح لصالح شركة سيمنز جاميسا بعد اعتراضات أمنية. كما تعهد ميرز بمنع الشركات الصينية من المشاركة في تطوير شبكات الجيل السادس في ألمانيا.
وداخل الاتحاد الأوروبي، تدعم ألمانيا شرط “شراء المحتوى الأوروبي” في برامج الدعم والمشتريات، وإن كان بدرجة أقل حدة من الموقف الفرنسي، ولكن بعض البلدان تخشى أن تؤدي الصرامة المفرطة إلى تنفير الشركاء، مثل كوريا الجنوبية وكندا، الذين قد يساهمون في الحد من انبعاثات الكربون. وعلى الرغم من الاختلافات بين الحكومات الأوروبية، فإنها تركز في الغالب على التفاصيل وليس المبادئ.
نتائج سلبية
ويعترف المسؤولون الألمان بأن انتهاج سياسة أكثر صرامة في التعامل مع الصين قد يخلف عواقب سلبية على الاقتصاد الألماني، وذلك نظراً لاعتماد البلاد الشديد على الصادرات، وكانت أزمة العناصر الأرضية النادرة بمثابة تذكير مؤلم بمدى الضغوط التي تتعرض لها ألمانيا.
لكن بعض المراقبين يرون أن ألمانيا وأوروبا تعملان على خفض ثقلهما الاقتصادي على المستوى العالمي، خاصة في ظل الرسوم الجمركية التي تفرضها الولايات المتحدة والجدل القانوني المحيط بها، إذ إن خسارة السوق الأوروبية ستلحق بالصين خسائر فادحة، بحسب ما قال رئيس مكتب بكين لمؤسسة هاينريش بول المرتبطة بحزب الخضر الألماني، آرثر تارنوفسكي. عن “الإيكونوميست”
علاقة معقدة
تتشابك المصالح الاقتصادية والاعتبارات الجيوسياسية في علاقة معقدة وربما ذات تأثير متبادل. وبينما تتراجع الصادرات الألمانية المرتبطة بالسوق الصينية، تطالب بكين الاتحاد الأوروبي برفع الرسوم المفروضة على سياراته الكهربائية. وفي ضوء هذه المعادلة الدقيقة، تأمل قطاعات كبيرة من الصناعة الألمانية أن يبدي المستشار الألماني فريدريش ميرز درجة من الحزم أثناء زيارته لبكين، وهو ما يعكس دفاعاً أكثر وضوحاً عن المصالح الاقتصادية والاستراتيجية لألمانيا.
. ويعترف المسؤولون الألمان بأن السياسة الأكثر صرامة تجاه الصين قد يكون لها عواقب سلبية على الاقتصاد الألماني.
للمزيد : تابع خليجيون 24 ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر




