تقارير

هزيمة ميلوني في «استفتاء إصلاح القضاء» اختبار لتوحيد المعارضة الإيطالية

كانت الهزيمة التي منيت بها رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني في الاستفتاء على الإصلاح القضائي بمثابة إشارة نادرة إلى إمكانية كسر هيمنتها السياسية. لكن السؤال الأبرز حاليا هو مدى قدرة المعارضة الإيطالية، التي تعاني من التشرذم والانقسام، على استغلال هذا التحول من خلال توحيد صفوفها ضد ميلوني المعروفة بميولها اليمينية المتطرفة.

منذ وصول ميلوني إلى السلطة عام 2022، بدت وكأنها قوة سياسية يصعب تحديها، مستفيدة من ضعف معارضيها وانقسامهم، لكن خسارتها في الاستفتاء الأخير كشفت عن موجة متصاعدة من السخط الشعبي، الذي يسعى منافسوها الآن إلى استغلاله سياسيا. وكانت نسبة المشاركة في هذه الانتخابات مرتفعة، حيث شهدت نسبة مشاركة ملحوظة من الناخبين الشباب الذين صوتوا ضد سياسات رئيس الوزراء.

ويفتح هذا الرفض الشعبي نافذة مهمة أمام أبرز قوى المعارضة، وعلى رأسها الحزب الديمقراطي بزعامة إيلي شلاين، وحركة الخمس نجوم بزعامة رئيس الوزراء السابق جوزيبي كونتي.

ووصف شلاين نتائج الاستفتاء بأنها “انتصار استثنائي للشعب”، معتبرا أنها تمثل بداية تراجع اليمين القومي.

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية بالنسبة للمعارضة، فإن ترجمة هذا الزخم إلى فوز في الانتخابات العامة المقبلة -التي قد تجرى العام المقبل أو حتى قبل ذلك- تتطلب توحيد قوى المعارضة تحت جبهة واحدة. لكن هذا الهدف يبدو صعب المنال في ظل الخلافات العميقة بين مكوناته، خاصة في قضايا مثل الدعم العسكري لأوكرانيا والسياسات الاقتصادية.

الاستقرار النسبي

وتشير استطلاعات الرأي إلى استقرار نسبي في موازين القوى السياسية منذ منتصف عام 2024، مع احتفاظ حزب “إخوة إيطاليا” بزعامة ميلوني بالصدارة بنسبة 29% تقريبا، يليه الحزب الديمقراطي بنسبة 22%، ثم “حركة الخمس نجوم” بحوالي 12%، وهو ما يعكس أن أي فرصة حقيقية لمنافسة اليمين تتطلب تنسيقا فعليا بين هذه القوى.

وفي هذا السياق، تتزايد الدعوات داخل المعارضة لإجراء انتخابات تمهيدية لاختيار زعيم موحد وصياغة برنامج مشترك.

وأبدى كل من كونتي وشلاين دعمهما لهذه الفكرة، حيث أكدت كونتي أن الإيطاليين يطالبون بهذه الخطوة، فيما أبدت شلاين استعدادها لخوض هذا التحدي.

الاختلافات الأساسية

ونجحت حملة الإصلاح المناهضة للقضاء التي طرحتها ميلوني في توحيد المعارضة بشكل مؤقت، حيث شكلت منصة مشتركة لانتقاد سياسات الحكومة، خاصة فيما يتعلق بمؤسسات الدولة المستقلة. وقد تجسدت هذه الوحدة في تجمع حاشد في ساحة باربريني في روما، حيث احتفل زعماء المعارضة والناشطون بنتيجة لم تكن متوقعة قبل بضعة أسابيع.

لكن هذا المشهد الموحد يخفي خلافات جوهرية، إذ لا يزال هذا الائتلاف غير قادر على الاتفاق على برنامج وطني موحد أو مرشح مشترك لرئاسة الحكومة. وتظهر الخلافات بوضوح حول ملفات مثل الإنفاق العسكري، ودعم أوكرانيا، والسياسات الاقتصادية، في ظل فجوة واضحة بين الحركات اليسارية المتطرفة والحزب الديمقراطي الأكثر اعتدالا.

وفي محاولة للتغلب على هذا التناقض، أكد شلاين على ضرورة أن تقدم المعارضة حلولاً عملية، وليس مجرد معارضة الحكومة. وتم طرح مجموعة من المقترحات، بما في ذلك تحديد الحد الأدنى للأجور، وتقليص ساعات العمل، وتعزيز إجازة الأبوة والأمومة المشتركة.

كما أشارت إلى النجاحات السابقة للتحالفات التقدمية على المستوى المحلي والإقليمي، معتبرة إياها دليلا على إمكانية تحقيق انتصارات مماثلة على المستوى الوطني.

من جانبه، أكد زعيم حزب اليسار الإيطالي نيكولا فراتوياني، وجود أرضية مشتركة بين أحزاب المعارضة بشأن قضايا مثل الرعاية الصحية والتحول البيئي، فيما أشار إلى استمرار الخلافات بشأن الحرب في أوكرانيا.

اختر قائدًا

ورغم أن المعارضة كانت موحدة في الاستفتاء، إلا أنها تواجه حاليا تحديا أكثر تعقيدا يتمثل في اختيار زعيم موحد، حيث لا يوجد حتى الآن إجماع واضح على شخصية محددة.

وتعتبر شلاين المرشحة الأقوى بحكم قيادتها لأكبر حزب معارض، لكنها تواجه انتقادات تتعلق بخلفيتها ونظرة البعض إليها كشخصية نخبوية.

في المقابل، يتمتع كونتي بشعبية واسعة، خاصة في جنوب البلاد، وله خبرة سابقة في الحكومة، حيث أشرف على برامج الدعم الاجتماعي وحصل على مساعدات أوروبية ضخمة خلال جائحة “كورونا”.

ومع ذلك، لم يتمكن أي منهما حتى الآن من فرض نفسه كزعيم موحد لجميع قطاعات المعارضة. كما تم طرح أسماء أخرى كمرشحين إجماعيين، مثل الرياضية السابقة سيلفيا ساليس والأكاديمي غايتانو مانفريدي، لكنهم رفضوا خوض الانتخابات التمهيدية.

فجوة واضحة

وحذر محللون من المبالغة في تفسير نتائج الاستفتاء على أنها تحول جذري في المزاج السياسي، حيث يشير المحلل لورنزو بريجلياسكو إلى أن نسبة كبيرة من الناخبين “لا” لا ينتمون بالضرورة إلى معسكر يسار الوسط، بل يشملون ناخبين غير منخرطين سياسيا، أو لديهم مشاركة انتخابية منخفضة.

ويؤكد أن هناك فجوة واضحة بين السخط الشعبي على الحكومة والدعم الفعلي للمعارضة، ما يعني أن الأخيرة لا يمكنها أن تفترض أنها فازت بهذه القاعدة تلقائياً.

ويرى بعض المحللين أن توقيت الانتخابات المقبلة قد يكون عاملاً حاسماً، حيث يمكن أن تدعو ميلوني إلى إجراء انتخابات مبكرة قبل تدهور الأوضاع الاقتصادية، مستفيدة من تماسك معسكرها، مقابل انقسام خصومها. وفي المقابل قد تفضل البقاء في السلطة لفترة أطول لتعزيز موقفها السياسي.

أما قيادات المعارضة، فتؤكد استعدادها لخوض الانتخابات في أي وقت، إذ أكد شلين أن الاستعداد قائم بغض النظر عن الموعد، في محاولة لإظهار الثقة والاستعداد لمواجهة التحديات المقبلة.

عن “بوليتيكو”

. ويبدو توحيد المعارضة هدفا صعبا في ظل الخلافات بين مكوناتها، خاصة في قضايا مثل الدعم العسكري لأوكرانيا والسياسات الاقتصادية.

للمزيد : تابع خليجيون 24 ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى