تقارير

النمسا تتخلى تدريجياً عن حيادها التاريخي مع انخراطها في السياسة الخارجية الأوروبية

في الأول من سبتمبر/أيلول، حظيت ألمانيا وفرنسا باهتمام واسع النطاق بعد أن وقعتا على رسالة موجهة إلى منسقة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، تدعو فيها إلى السماح باتخاذ قرارات السياسة الخارجية الأوروبية من خلال تصويت الأغلبية المؤهلة، بدلا من تبني مبدأ الإجماع بين الدول الأعضاء. يشار إلى أن النمسا كانت من بين الدول التسع الأخرى التي وقعت على هذه الرسالة.

ويحظى انضمام جمهورية الألب إلى هذه المبادرة بأهمية خاصة، إذ يفترض في النمسا من الناحية القانونية أن تكون دولة محايدة، وأن تحافظ على حيادها، وألا تنخرط في مواقف سياسية قد تتعارض مع هذا المبدأ. ولذلك فإن تخليها عن حقها في نقض قرارات السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي يمكن اعتباره خطوة فعلية نحو التخلي عن حيادها التاريخي.

وقد يمثل هذا النهج خطأ ارتكبته فيينا، إذ كان الحياد أحد العوامل التي ساهمت في تكوين النمسا الحديثة وجعلها دولة تتمتع بدرجة عالية من الثقة وتتمتع بمستويات كبيرة من الثروة والتنمية.

بعد الحرب العالمية الثانية، عوملت النمسا باعتبارها “الضحية الأولى” لألمانيا النازية، وبالتالي لم تتعرض لنفس المعاملة القاسية التي تعرضت لها ألمانيا. ومع ذلك، ظلت النمسا تحت الاحتلال لمدة 10 سنوات، تم خلالها تقسيم أراضيها بين دول الحلفاء.

وانتهى الاحتلال الذي استمر عقداً كاملاً بإبرام معاهدة الدولة النمساوية عام 1955. وسمحت هذه المعاهدة للنمسا باستعادة استقلالها وتحريرها من سيطرة قوات الحلفاء وخاصة السيطرة السوفييتية.

الالتزامات والسياسات

وفي المقابل، وافقت النمسا على مجموعة من الالتزامات والسياسات، بما في ذلك تجريم أي محاولة للانضمام إلى ألمانيا، بالإضافة إلى التزامها بأن تصبح واحدة من الدول المحايدة القليلة في العالم.

وقد أثمر هذا الخيار نتائج مهمة خلال الحرب الباردة، حيث تحولت النمسا إلى منطقة محايدة تتمتع بالثقة بين المعسكرين الشرقي والغربي.

وكانت مثل سويسرا مكاناً مناسباً لممارسة الأعمال التجارية وإقامة العلاقات الاقتصادية بين مختلف الأطراف.

ونتيجة لذلك، وبعد التغلب على تبعات الحرب وآثارها، أصبحت النمسا اليوم واحدة من الدول التي تتمتع بأعلى معدلات الناتج المحلي الإجمالي للفرد في الاتحاد الأوروبي.

ولكن في الآونة الأخيرة، تخلت الحكومات والزعماء النمساويون على نحو متزايد عن هذا النهج التقليدي في التعامل مع الحياد. وقد دعا الرئيس ألكسندر فان دير بيلين مراراً وتكراراً الحكومة الفيدرالية إلى تقديم المزيد من المساعدات لأوكرانيا، في حين سعت وزيرة الخارجية النمساوية الحالية، بيات مينيل رايزينجر، التي تنتمي إلى حزب النيو، إلى إبعاد النمسا عن حيادها التاريخي.

الثناء الأمريكي

وخلال اجتماع عقد مع الوزير رايزنجر في فيينا الشهر الماضي، أشاد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بالنمسا كموقع محتمل يمكن أن يستضيف أي مفاوضات.

ورغم أن الاجتماع كان مغلقا، إلا أن رايزنجر ذكر أن روبيو هو من أدلى بهذه التصريحات حول إمكانية أن تكون النمسا موقعا للمفاوضات.

وأوضح الوزير أن الجانبين تجنبا خلال اللقاء الخوض في عدد من القضايا التي قد تشهد اختلافا في وجهات النظر بينهما، بما في ذلك موقف روبيو من المحكمة الجنائية الدولية.

ومن المتوقع أن تصبح النمسا عضوا غير دائم في مجلس الأمن الدولي، وهو ما دفع رايزنجر إلى القيام بعدد من الزيارات إلى دول مختلفة. وبالنظر إلى أن النمسا ستشغل مقعدًا غير دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة اعتبارًا من 1 يناير 2027، فإن وزير الخارجية النمساوي يعمل على زيارة عدد من الحكومات الأخرى الأعضاء في المجلس، بما في ذلك الصين.

لكن هناك استثناء واحداً يبدو واضحاً، إذ لا يبدو أن هناك زيارة مقررة إلى موسكو، وهو أمر قد يكون متوقعاً من دولة من المفترض أن تعتمد سياسة الحياد.

الجانب الأيمن

وربما يرجع جزء من هذا الاتجاه إلى جاذبية الظهور بمظهر “الجانب الصحيح من التاريخ”. هناك سياسيون أوروبيون طموحون، خاصة أولئك الذين يأملون في الوصول إلى مناصب مهمة في بروكسل في المستقبل، يعتقدون أن الالتزام الكامل بالحياد لم يعد خيارا جذابا من الناحية السياسية. إن إظهار القدرة على اتخاذ المواقف المناسبة واستخدام الخطاب المقبول في الأوساط السياسية الأوروبية قد يساعد هؤلاء السياسيين في الوصول إلى النفوذ والمناصب التي يسعون إليها.

لكن الظهور بمظهر الشخص الذي يبتعد عن القضايا السياسية المثيرة للجدل، أو يصر على الحفاظ على موقف محايد تجاه مختلف أطراف الصراعات الدولية، قد لا يمنح شخصيات مثل رايزنجر نفس الفرص للتقدم السياسي.

وهذا النوع من الجاذبية السياسية أيضاً يتسم بقصر النظر، لأن النمسا نفسها تعاني بالفعل من مشكلة تتعلق بالكثير من اللوائح والقوانين والقيود البيروقراطية، وهو ما لا يجعلها، في الوقت الحاضر، المكان المثالي لبدء مشروع تجاري جديد. وقد صنفتها مجلة US News & World Report مؤخرا في المرتبة 67 على قائمة الدول التي تتمتع بمناخ استثماري ملائم، وهي أقل من دول مثل جنوب أفريقيا واليونان، في حين صنف تقرير صادر عن مجموعة “TMF” لتقييم مواقف الدول من حيث ممارسة الأعمال التجارية النمسا في المرتبة 36 من حيث سهولة ممارسة أنشطة الأعمال.

النظام البيروقراطي

لطالما اشتهرت النمسا بنظامها البيروقراطي الضخم، وهو أمر يعود إلى عصر أباطرة هابسبورغ، لكن الرخاء الاقتصادي الذي وفره حيادها ساهم على مدى عقود في التخفيف من آثار هذه المشكلة، والتغلب على جزء كبير منها، لكن مع تراجع حياد النمسا، بدأت ثقة الآخرين بها كطرف محايد تتضاءل تدريجيا.

ولا تقتصر أهمية الدور الذي تلعبه النمسا كطرف محايد على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى ما يخدم مصالح البلاد وأمنها، وبلغت الميزانية العسكرية في فيينا لعام 2026 نحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يعادل 4.8 مليار يورو، بحسب الأرقام الصادرة عن البرلمان النمساوي.

ورغم أن النمسا ليست عضواً في حلف شمال الأطلسي، وبالتالي فهي غير ملزمة بالالتزامات المتعلقة بتخصيص نسبة معينة من دخلها الوطني للإنفاق العسكري، وفقاً للاتفاقيات التي تجمع الدول الأعضاء في الحلف، فإن إنفاق ما يقرب من 1% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع لا يكفي ببساطة لتوفير قدرة دفاعية قوية للبلاد.

وإذا استمر حلف شمال الأطلسي في الضعف، مع تحرك الولايات المتحدة للتركيز على مناطق أخرى من العالم، ومع استمرار بعض الدول الأعضاء في عدم تقديم مساهمات حقيقية وكافية، فقد تجد النمسا نفسها مضطرة، للمرة الأولى منذ ما يقرب من قرن من الزمان، إلى إعادة النظر بجدية في قدرتها على الدفاع عن نفسها.

كما أنه على الرغم من أن المنطقة المحيطة بالنمسا لا تتمتع بنفس درجة الخطر التي تتمتع بها المنطقة الواقعة إلى الجنوب الشرقي منها، إلا أن البلاد محاطة بعدد من الدول التي يمكن أن تتحول، في حال انهيار النظام الأوروبي القديم، إلى مناطق شديدة التوتر تشبه “براميل البارود” مرة أخرى.

تداعيات

إن التخلي عن الدور المحايد لا يخدم النمسا وحدها، بل قد تكون له تداعيات على الاتحاد الأوروبي نفسه. وإذا تبنت أغلب الدول الأوروبية العقلية التي تمثلها كايا كلاس، والتي تقوم على الجدل المستمر حول “الجانب الصحيح من التاريخ”، والسعي إلى تحويل اللحظات الحاسمة في الأزمات الدولية إلى انتصارات سياسية في مجال السياسة الخارجية، فإن الاتحاد الأوروبي، الذي يُنظر إليه بالفعل كلاعب ضعيف على الساحة الدولية، سيجد نفسه في موقف أكثر صعوبة.

ومن مصلحة الاتحاد الأوروبي أن يضم بين أعضائه بعض الدول التي تلعب دور «منظم الإيقاع» والانضباط، وليس أن تكون جميعها قوى تصعيد أو مواقف حادة. ونظراً لتاريخها الطويل في تبني سياسة الحياد، فإن النمسا في وضع مثالي يسمح لها بالاضطلاع بهذا الدور المهم.

حول “إشارة بروكسل”

. ويثير دعم الاتجاه نحو تصويت الأغلبية في السياسة الأوروبية تساؤلات حول مستقبل السياسة التي كانت جزءًا من هوية النمسا لعقود من الزمن.

. وكان الحياد أحد العوامل التي ساهمت في تكوين النمسا الحديثة، مما جعلها دولة تتمتع بدرجة عالية من الثقة ومستويات كبيرة من التنمية.


ضابط التوازن

من الصعب في الوقت الحاضر النظر إلى النمسا كدولة محايدة بحكم الأمر الواقع، لكنها لا تزال دولة محايدة بحكم القانون، وإذا كان لدى قادتها الشجاعة للقيام بما يرونه في مصلحة الشعب النمساوي -بدلاً من القيام بما يخدم مسيرته السياسية ومصالحهم المهنية، أو السعي لكسب إعجاب الآخرين، من خلال مواقفهم وتواجدهم على وسائل التواصل الاجتماعي- فعليهم التركيز على إعادة النمسا إلى سياسة الحياد مرة أخرى.

إن الحفاظ على حياد النمسا لا يمثل مجرد التمسك بتقليد سياسي قديم، ولكنه قد يكون أيضاً وسيلة للحفاظ على المكانة المكتسبة للبلاد، وتعزيز الثقة فيها، وحماية مصالحها الاقتصادية والأمنية، فضلاً عن منح الاتحاد الأوروبي دولة قادرة على أداء دور الوسيط وضابط التوازن في عالم متزايد الانقسام والتوتر.

للمزيد : تابع خليجيون 24 ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى