تقارير

التهديد الأميركي بالاستيلاء على غرينلاند يمثل اختباراً استراتيجياً لأوروبا

جزيرة جرينلاند ليست منطقة نائية، بل لها أهمية كبيرة بالنسبة لأوروبا بأكملها، فهي إقليم خارجي تابع للاتحاد الأوروبي، وتتمتع بحقوق خاصة. سكان جرينلاند هم مواطنون في المملكة الدنماركية، وبالتالي مواطنون في الاتحاد الأوروبي، ويتمتعون بحقوق حرية التنقل. تتمتع الجزيرة بقيمة استراتيجية كبيرة: عسكريًا باعتبارها منطقة رئيسية في القطب الشمالي، واقتصاديًا بسبب موادها الخام، وجيوسياسيًا في سياق الطرق البحرية الجديدة التي فتحها تغير المناخ. إن من يسيطر على جرينلاند يؤثر على مجال أساسي من السياسة الأمنية الأوروبية.

إذن، كيف ينبغي للأوروبيين أن يردوا على استفزازات الولايات المتحدة والتهديد بالغزو؟ الخيار الأول يتلخص في الانتظار والترقب، على أمل أن تتمكن المؤسسات الأميركية والدستور الأميركي من الحد من مغامرات السياسة الخارجية. وهذه الاستراتيجية مريحة، لكنها محفوفة بالمخاطر، لأنها تشير إلى فراغ استراتيجي وتستدعي خلق الحقائق على الأرض. وبما أن القوات الأمريكية موجودة بالفعل في جرينلاند (في قاعدة بيتوفيك)، فسيكون من السهل من حيث المبدأ بالنسبة للولايات المتحدة عزل الحكومة المنتخبة شرعيًا في نوك، عاصمة جرينلاند، واستغلال الموارد الطبيعية للجزيرة على النحو الذي تراه مناسبًا.

والخيار الثاني الأكثر جرأة بالنسبة لأوروبا يتمثل في التعاون السري والموضوعي مع الدنمرك وحكومة جرينلاند. وقد يشمل ذلك إرسال قوات عسكرية أوروبية إضافية إلى نوك لدعم الهياكل القائمة، مع تعزيزها بالدفاع الجوي والبحري.

ومثل هذه القدرات من شأنها أن ترسل إشارة سياسية، ولكنها ستكون ضرورية أيضاً من الناحية الموضوعية لتأمين جرينلاند ضد مجموعة متنوعة من التهديدات في وقت حيث أصبحت منطقة القطب الشمالي محل نزاع متزايد.

وتشترك فرنسا وألمانيا والدول الاسكندنافية في تقييم مشترك لأهمية جرينلاند. زار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نوك في يونيو/حزيران 2025 وأكد مجددًا “دعمه الثابت” لسلامة أراضي الجزيرة.

واتخذ الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب موقفا مماثلا. ورغم تردد الحكومة الألمانية في البداية، أصدرت الدول الأوروبية الكبرى أخيرا بيانا مشتركا لدعم جرينلاند.

إلا أن التقييم المشترك لأهمية جرينلاند والدعم المعنوي الذي تقدمه الدانمرك لا يشكل حتى الآن استراتيجية مشتركة لضمان أمن جرينلاند. ويتعين على دول الاتحاد الأوروبي أن تدرك أن الإستراتيجية التي لا تصاحبها تعاون عسكري وثيق غير فعّالة.

والرئيس دونالد ترامب محق بشأن أمر واحد: وهو أن الدنمرك وحدها لا تستطيع ضمان أمن جرينلاند. إن الأمن لا يمكن تحقيقه إلا من خلال التعاون الأوروبي المنظم، والأدوات اللازمة لتحقيق هذه الغاية كانت موجودة منذ فترة طويلة. وبفضل قدرتها على الانتشار السريع، أصبح لدى دول الاتحاد الأوروبي أداة عسكرية مناسبة تحت تصرفها، ولن يكون استخدامها عملاً استفزازياً، بل علامة على النضج الاستراتيجي والوحدة الأوروبية.

ويتعين على الزعماء الأوروبيين أن يطوروا استراتيجية بالتعاون الوثيق مع الحكومة في نوك. وكما قال ألكسندر ستاب: “لا أحد يقرر نيابة عن جرينلاند والدنمارك باستثناء جرينلاند والدنمارك نفسيهما”.

وبطبيعة الحال، تستطيع الولايات المتحدة ضم جرينلاند، على الرغم من نشر القوات الدنماركية والأوروبية. ومع ذلك، فإن الوجود العسكري الأوروبي الأكبر من شأنه أن يزيد بشكل كبير من التكاليف السياسية والعسكرية للولايات المتحدة. ومن شأن هذه التكاليف المرتفعة أيضاً أن تزيد من احتمالية قيام الضوابط السياسية الداخلية في الولايات المتحدة بمنع مثل هذه الخطوة “الحماقة”.

وقد تؤدي إشارة القوة الأوروبية أيضاً إلى مفاوضات جادة مع الولايات المتحدة. ومن الممكن بعد ذلك توسيع القاعدة الأميركية في جرينلاند، بشكل تعاوني، لصالح الأمن عبر الأطلسي. خلال الحرب الباردة، كان هناك ما يقرب من 10000 جندي أمريكي في جرينلاند بناءً على معاهدة الدفاع لعام 1951، والتي لا تزال تلزم الولايات المتحدة والدنمارك بالدفاع عن جرينلاند. ومن خلال التصرف بعدوانية، فإن أوروبا أيضاً قادرة على تغيير الحسابات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، وبالتالي تحديد علاقة جديدة بين ضفتي الأطلسي. كما أنها ستمكن سكان الجزيرة من اختيار ما هو مناسب لهم في المستقبل.

ويتعين على أوروبا أن تتحرك الآن، بالتعاون مع كوبنهاجن ونوك، بطريقة هادئة وحاسمة ومنسقة. ويجب ترجمة التعبير عن التضامن إلى استراتيجية عسكرية مشتركة. ومن الممكن أن يؤدي استعراض القوة الأوروبية إلى تعاون أكبر مع الولايات المتحدة في جرينلاند.

*جونترام وولف

*زميل أول في معهد بروغل

عن موقع “بروغل”.

. ويتعين على دول الاتحاد الأوروبي أن تدرك أن الإستراتيجية التي لا تصاحبها تعاون عسكري وثيق غير فعّالة.

للمزيد : تابع خليجيون 24 ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى