خبير مثير للجدل: العالم يواجه “شتاءً ديموغرافياً”

وخلافا للصورة الشائعة لعالم يختنق بسبب الزيادة السكانية، يرى عالم الديموغرافيا والكاتب بول مورلاند أن الحقيقة تسير في اتجاه مختلف تماما: فالعالم لا يشهد انفجارا سكانيا، بل يتحرك بوتيرة متسارعة نحو الشيخوخة والانكماش السكاني، وهي ظاهرة تحمل في طياتها تحديات اقتصادية واجتماعية عميقة قد تكون أخطر بكثير مما نتصور، مما يشير إلى أن عالمنا يواجه “شتاء ديموغرافي”.
وقال مورلاند، في كلمة ألقاها خلال القمة العالمية للحكومات، إن البشرية، رغم وصول عدد سكان العالم اليوم إلى نحو 8 مليارات نسمة، إلا أنها تعيش أفضل ظروفها على مر التاريخ. يعيش البشر المعاصرون لفترة أطول، ويحصلون على تغذية أفضل، ويحصلون على مياه أكثر أمانًا، ويعيشون في مساكن أفضل، ويتمتعون بمستويات أعلى من التعليم مقارنة بجميع فترات التاريخ السابقة. والأهم من ذلك أن كل قفزة سكانية يصاحبها تحسن في مستوى المعيشة، وليس تراجعا كما يعتقد البعض.
وقد شرح مورلاند هذه المفارقة بما وصفه الاقتصادي الأميركي الراحل جوليان سيمون بأنه “المورد النهائي”: العقل البشري. كلما زاد عدد الأشخاص، زادت قدرتهم على الابتكار والتوصل إلى حلول أكثر ذكاءً لاستخدام الموارد المحدودة بكفاءة أكبر. ووفقا لموريلاند، لم يكن النمو السكاني أبدا سببا للفقر، بل كان في كثير من الأحيان محركا للتقدم.
لكنه يشير إلى أن المفارقة الأكبر هي أن هذا النمو نفسه يتباطأ الآن بشكل حاد.
نهاية النمو السكاني
وأكد مورلاند أن عدد الأطفال الذين يولدون سنويا في العالم يتراجع سنة بعد سنة، وأن معدل نمو سكان العالم في تراجع مستمر. ويتزايد سنويا عدد البلدان التي انخفضت فيها معدلات الخصوبة إلى ما دون مستوى استبدال السكان (أي أقل من طفلين لكل امرأة)، في حين تسجل البلدان عدد وفيات أكبر من عدد الولادات.
وأوضح أنه بناء على أحدث التوقعات، من المرجح أن يصل عدد سكان العالم إلى ذروته في وقت أقرب بكثير مما كان متوقعا في السابق. وأضاف: “نحن لا نواجه عالما يتدهور بسبب كثرة البشر، ولا نواجه انفجارا سكانيا حقيقيا، بل نواجه عالما يشيخ”.
وجه مظلم
وحذر مورلاند من الاعتقاد السائد بأن انخفاض عدد السكان هو أمر إيجابي بالضرورة. وفي الواقع، لا يعني الانكماش السكاني الرخاء، بل يؤدي في كثير من الأحيان إلى ما يصفه بـ«الانكماش الإنساني».
وأوضح أنه عندما تنخفض أعداد السكان، تبدأ المدارس في الإغلاق، ثم تبدأ القرى في الاختفاء، حتى وفاة آخر ساكن. وأصبحت الاستثمارات في البنية التحتية غير فعالة، وانهارت الطرق، وأغلقت المطارات، وانسحبت الخدمات الأساسية. والنتيجة ليست نوعية حياة أعلى، بل مجتمعات تذوي تدريجياً.
ظاهرة عالمية
وشدد مورلاند على أن انخفاض الخصوبة لم يعد مشكلة “غربية” أو مشكلة أوروبية بيضاء كما كان يعتقد سابقًا. وتسجل دول مثل كولومبيا الآن معدلات خصوبة تقترب من معدلاتها في كندا، وتقترب جامايكا من مستويات اليابان، في حين انخفضت معدلات الخصوبة في الفلبين، التي كانت تعتبر دولة عالية الإنجاب، إلى مستويات لا تكاد تتجاوز نظيراتها في فرنسا.
وقال: “هذه الظاهرة أصبحت عالمية تماما”.
الإنذار المبكر
وقال مورلاند إن كوريا الجنوبية تمثل المثال الأكثر تطرفا لما يحدث عندما ينهار معدل الخصوبة. فكل جيل يتكون من 100 شخص ينجب فقط حوالي 40 في الجيل التالي، ثم 16 فقط في الجيل الذي يليه، مما يعني انخفاض عدد السكان بنسبة 84% خلال جيلين فقط، أي خلال 50 إلى 60 سنة.
وأضاف: أما اليابان، فرغم أن الخصوبة فيها ليست منخفضة مثل كوريا، إلا أنها تعاني من المشكلة منذ فترة أطول. موضحا أن المشكلة لا تكمن في إجمالي السكان، بل في التركيبة العمرية. وفي ستينيات القرن العشرين، كان في اليابان تسعة أشخاص في سن العمل مقابل كل متقاعد. وفي العقود المقبلة، سيدعم عامل واحد متقاعدا واحدا تقريبا.
“الأربعة الرماديون”
ولوصف العواقب المترتبة على شيخوخة السكان، يقدم مورلاند ما أسماه “الأربعة الرماديون”، موضحا أن “الأعمال الرمادية” هي انكماش قوة العمل عاما بعد عام على النحو الذي يؤدي إلى الركود الاقتصادي المزمن، وخاصة في ضوء تباطؤ نمو الإنتاجية، وانحدار ريادة الأعمال والإبداع مع تقدم العمال في السن.
وأضاف أن “رأس المال الرمادي” يتركز في أيدي كبار السن الذين يبحثون عن استثمارات آمنة، ما يجعل من الصعب على رواد الأعمال الشباب تمويل أفكارهم، ويضعف ديناميكية الاقتصاد.
أما المستهلك الرمادي، فأكد نورلاند أن المجتمعات المتقدمة في السن تستهلك خدمات تعتمد على العمل البشري المباشر، مثل الرعاية الصحية والاجتماعية، في وقت يتراجع فيه عدد العاملين القادرين على تقديم هذه الخدمات، وهي فجوة لا تستطيع التكنولوجيا أو الذكاء الاصطناعي سدها في المستقبل القريب.
أما بالنسبة للموازنة الرمادية، أوضح أنه مع تقلص قاعدة دافعي الضرائب وزيادة الإنفاق على الصحة والمعاشات، ترتفع مستويات الدين العام، كما هو الحال في دول مثل اليابان وإيطاليا، مما يضع الحكومات أمام مخاطر مالية جسيمة.
حل مؤقت
وذكر مورلاند أن الاعتماد على الهجرة لحل أزمة شيخوخة السكان ليس سوى حل مؤقت. والمهاجرون بدورهم يتقدمون في السن، وتتراجع معدلات ولاداتهم مع مرور الوقت، وهو ما يحول الأمر إلى ما يشبه “المخطط الهرمي” الذي يتطلب استيراد أعداد متزايدة باستمرار، وهو أمر غير مستدام عالميا.
طرح مورلاند سؤالاً لافتًا للنظر: “هل من الصواب أن تعتمد الدول الغنية على استنزاف العاملين في الدول الفقيرة، إلى درجة أن عدد العاملين في مجال الصحة القادمين من غانا في بريطانيا الآن أكبر من عدد العاملين في غانا نفسها؟”
للمزيد : تابع خليجيون 24 ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر

