إقليم «بلوشستان» الباكستاني منطقة تنافس أميركي صيني على استخراج المعادن

تم وصف منطقة بلوشستان في معظم تاريخ باكستان الحديث بأنها محفوفة بالمخاطر ومليئة بالصراعات السياسية ومتعثرة من حيث التنمية.
ولم يتم حتى الآن استغلال ثروتها المعدنية الهائلة، والتي أشارت إليها الدراسات الجيولوجية والمناقشات السياسية منذ فترة طويلة، كاستثمارات دولية مستدامة وفعالة.
وقد أدى ذلك إلى استمرار الفجوة بين الوعود والواقع، مما أدى إلى ترسيخ التصور العالمي للمنطقة باعتبارها منطقة حدودية محفوفة بالمخاطر، بدلا من كونها وجهة للاستثمارات الاقتصادية طويلة الأجل.
لكن هذه الصورة بدأت تتغير. هناك موجات جديدة من الاستثمارات الصينية والباكستانية، تركز على مشروع “ريكو ديك” الذي طال انتظاره، مشيراً إلى أن كبار المستثمرين يعيدون تقييم حجم الموارد المعدنية المدفونة في “بلوشستان”، والمنطق الاستراتيجي للاستمرار في الاستثمار فيها رغم حالة عدم الاستقرار والتهديدات التي تشكلها الجماعات المسلحة.
إن التوقعات القوية لصادرات المعادن المؤقتة، التي تبلغ قيمتها 5 مليارات دولار، على مدى العقد المقبل لا تخفي التحديات البنيوية التي تواجه المنطقة، ولكنها تشير إلى تزايد الثقة في أن التدابير الأمنية المتقدمة التي اتخذتها باكستان، وتخطيط البنية الأساسية، والشراكات الدولية، أصبحت في وضع أفضل من ذي قبل لدعم تنمية الموارد على المدى الطويل.
وفي هذا السياق، فإن مشروع “ريكو ديك” يتجاوز كونه مجرد مشروع تعدين، إذ يصبح اختبارا لقدرة الإمكانات الاقتصادية والضرورة الجيوسياسية على تغيير التصورات السائدة منذ فترة طويلة حول المخاطر الأمنية.
واقع الاستثمار
لقد تم تصوير بلوشستان منذ فترة طويلة على أنها منطقة مضطربة، لكن الاستثمار على نطاق واسع في المعادن يكشف عن قصة أكثر تعقيدا. حصلت الشركات الصينية ومجموعات الأعمال الباكستانية الكبرى على امتيازات جديدة للتنقيب عن النحاس والذهب والمعادن المرتبطة بها، مما أدى إلى توسيع نطاق المشاركة ليشمل مشاريع أخرى غير مشروع ريكو ديك التابع لشركة باريك ماينينغ الكندية، واقتراح التشكيل الوشيك لممر تعدين أوسع بدلاً من مشروع واحد معزول.
في الواقع، التخطيط اللوجستي يتقدم بالفعل. وتم التعاقد مع محطة باكستان الدولية للسوائل في ميناء قاسم لمناولة صادرات معدنية بقيمة تزيد على خمسة مليارات دولار على مراحل، في حين من المتوقع أن ينتج مشروع ريكو ديك وحده حوالي 2.7 مليار دولار سنويا في مرحلته الأولى.
ويمكن أن يصل الإنتاج إلى ما بين 800 ألف ومليون طن من المعادن سنويا، حال بدء الإنتاج في الفترة ما بين 2028 و2029. وبالنسبة لاقتصاد يعاني من ضعف الصادرات وأزمات متكررة في ميزان المدفوعات، فإن مشروع بهذا الحجم سيكون له آثار إيجابية تتجاوز قطاع التعدين لتشمل صحة الاقتصاد الوطني بشكل عام.
وتعكس ترتيبات الملكية توازناً سياسياً ومالياً مدروساً، حيث تمتلك باريك 50% من المشروع، في حين يتم تقسيم الحصة المتبقية بين الحكومة الفيدرالية الباكستانية وحكومة إقليم بلوشستان، بحيث تجمع بين رأس المال الأجنبي والمشاركة السيادية وتقاسم المخاطر.
ويشير الإنفاق المخطط له بحوالي 150 مليون دولار على البنية التحتية المتخصصة للموانئ، ضمن إطار تنموي أوسع يبلغ حوالي 7.7 مليار دولار، إلى التزام طويل الأجل يمتد لعقود من الزمن، وليس مجرد دخل استثماري مضارب.
ونادرا ما يتدفق رأس المال بهذا الحجم إلى بيئات يعتبرها المستثمرون غير مستدامة، وتشير الشبكة المتزايدة التوسع من الامتيازات والخدمات اللوجستية والبنية التحتية إلى ثقة السوق في استقرار باكستان على المدى الطويل.
ويبرز مشروع “ريكو ديك” كساحة جيوسياسية، ويشير الدعم المالي الأميركي المعلن بنحو 1.3 مليار دولار، المرتبط بسلاسل توريد المعادن الحيوية، إلى اهتمام واشنطن بتأمين النحاس والذهب الضروريين للكهرباء والطاقة المتجددة والصناعات الدفاعية.
وفي الوقت نفسه، تستمر الاستثمارات والشراكات الإقليمية المرتبطة بالصين في التعمق، ويعكس تقارب المصالح المتنافسة أنماطاً مماثلة لتلك التي شهدتها أسواق “الكوبالت” في الكونغو، والنحاس في زامبيا، و”الليثيوم” في شيلي، حيث تجتذب المعادن الاستراتيجية منافسة عالمية شديدة.
ويأتي هذا الزخم المعدني ضمن إطار اقتصادي أوسع بكثير بين الصين وباكستان. وفي إطار الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، وهو مشروع رائد ضمن مبادرة الحزام والطريق، تعهدت الصين باستثمارات تتجاوز 62 مليار دولار في قطاعات الطاقة والنقل والبنية التحتية الصناعية.
ويشكل تطوير ميناء جوادار على بحر العرب ركيزة أساسية لهذه الاستراتيجية، لأنه يزود الصين بطرق تجارية أقصر إلى الشرق الأوسط، في حين يعزز مكانة باكستان كمركز لوجستي إقليمي. ويتراوح حجم التجارة الثنائية حاليا بين 25 مليار و27 مليار دولار سنويا، حيث تعد الصين أكبر شريك تجاري لباكستان وأحد أهم مستثمريها على المدى الطويل.
المخاطر الأمنية
لكن التهديدات الأمنية تظل متقلبة كما كانت دائما مع سعي باكستان إلى جذب التمويل العالمي لقطاع التعدين لديها، وبالنسبة للمستثمرين فإن السؤال الرئيسي الآن هو ما إذا كان من الممكن احتواء هذه المخاطر بشكل معقول.
وتظهر التجارب في مناطق التعدين غير المستقرة سياسيا في أفريقيا وأميركا اللاتينية أن الرواسب الخام ذات القيمة العالية قادرة على دعم الإنتاج عندما تكون مدعومة بأمن متعدد المستويات، ووسائل نقل مرنة، وحوافز مالية قوية.
ويبدو أن باكستان تتحرك بحذر في هذا الاتجاه من خلال قوات حماية متخصصة، وتوسيع التنسيق الاستخباراتي، وتعميق التعاون الأمني مع الشركاء الرئيسيين، وخاصة الصين.
لكن الأمن وحده لا يضمن الاستدامة، ويجب أن يكون هناك توزيع عادل للموارد ويشعر سكان المنطقة أنهم استفادوا من هذه الاستثمارات.
وفي غياب التكامل المحلي الفعّال، وخلق فرص العمل، وتقاسم الإيرادات، وتطوير البنية التحتية، وبناء الثقة المؤسسية، فإن مخاطر عمليات التعدين واسعة النطاق تؤدي إلى تفاقم الظلم الذي يهددها. صحيح أن التعدين ساهم في استقرار المناطق “الهشة” سابقاً، لكن فقط عندما حققت المجتمعات المحيطة فائدة ملموسة بدلاً من الحرمان والتهميش.
وبغض النظر عن آفاق الاقتصاد الكلي، تظل التوقعات داخل بلوشستان نفسها مرتبطة بشكل وثيق بما إذا كان التعدين على نطاق واسع سيترجم إلى فائدة محلية فعلية.
ويشير المسؤولون المحليون وممثلو المجتمع باستمرار إلى الوظائف، وحصص الإيرادات، والطرق، وتوفير المياه، والتعليم، والرعاية الصحية باعتبارها معايير يتم من خلالها الحكم على مشاريع مثل ريكو ديك في نهاية المطاف.
اختبار استراتيجي
وتعتقد القيادة الباكستانية أن التسارع العالمي في مجال المعادن يمثل فرصة واختباراً استراتيجياً في الوقت نفسه، ومن الممكن أن يعزز نجاح الصادرات، ويجذب رؤوس الأموال للاستكشاف المستمر، ويدمج البلاد بشكل أكثر عمقاً في سلاسل التوريد العالمية التي تربط آسيا الوسطى والخليج ومنطقة المحيط الهادئ الهندية. أما الفشل فقد يعمق شكوك المستثمرين ليس فقط تجاه «بلوشستان»، بل تجاه باكستان عموماً، ومن الواضح أن مستقبل «بلوشستان» لن يتحدد بعد الآن داخل حدود باكستان وحدها، مع اشتداد المنافسة. الجهود العالمية للتركيز على المعادن الحيوية، تركز القوى الخارجية على النحاس والذهب في المنطقة.
ويبقى السؤال الحاسم، ليس ما إذا كان سيتم استغلال هذه الموارد، بل من سيحدد شروط تشغيل المناجم، وما إذا كانت المجتمعات المحلية ستتقاسم ثرواتها؟
في الوقت الحاضر، تستمر رؤوس الأموال في التدفق على الرغم من عدم الاستقرار، ويشير هذا الإصرار وحده إلى تحول في النظرة المستقبلية، حيث لم يعد يُنظر إلى “بلوشستان” كمجرد منطقة حدودية غير مستقرة، بل كساحة استراتيجية تتزايد أهميتها على نحو يصعب تجاهله. عن “آسيا تايمز”
• هناك فجوة مستمرة بين الوعود والواقع، الأمر الذي أدى إلى ترسيخ النظرة العالمية إلى المنطقة باعتبارها منطقة حدودية محفوفة بالمخاطر، وليس وجهة للاستثمارات الاقتصادية الطويلة الأجل.
• هناك موجات جديدة من الاستثمارات الصينية والباكستانية، تركز على مشروع “ريكو ديك” الذي طال انتظاره، مما يشير إلى أن كبار المستثمرين يعيدون تقييم حجم الثروة المعدنية المدفونة في “بلوشستان”.
للمزيد : تابع خليجيون 24 ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر




