«العزلة الرقمية» تلاحق أفراد الأسرة إلى موائد الإفطار

أكد أولياء أمور طلاب وتربويين ومختصين لـ«الإمارات اليوم»، أن التعلق المفرط بالشاشات داخل المنازل يهدد تماسك الأسرة ويقوض جسور الحوار بين أفرادها، لافتين إلى أن هذا الانشغال لم يعد سلوكاً عابراً، بل تحول إلى بوابة للضغوط النفسية والعزلة الاجتماعية التي تنعكس على المجتمع.
وأوضحوا أن التحدي يتصاعد في شهر رمضان المبارك الذي يرتبط في الذاكرة المجتمعية بالتجمعات ودفء التجمعات بعد الإفطار. إلا أن بعض المنازل تشهد حضوراً لافتاً للهواتف والأجهزة الذكية على المائدة، في مقابل تراجع الحوارات التي تمثل روح الشهر.
وتفصيلاً، قال الوالد عبدالله العويد المهيري، وهو متقاعد من جهة حكومية، إن الأجهزة الذكية كان لها تأثير سلبي مباشر على الأطفال، امتد إلى الأسرة بأكملها، موضحاً أن الاستخدام المفرط لها ساهم في خلق حالة من التباعد والجفاء داخل بعض المنازل، وأضعف تعبير المودة والحنان بين الأطفال وأسرهم.
وأكد دعمه لتأخير منح الأطفال الأجهزة الذكية إلى ما بعد سن 16 عاماً، مع توفير بدائل واقعية تعزز التفاعل الاجتماعي، مثل دعم الأندية الرياضية، وإنشاء حدائق الأحياء المجهزة بمرافق آمنة توفر مساحات للعب والنشاط بعيداً عن الشاشات.
وقال الأب محمد صالح بداح العوضي (أبو عايدة)، وهو متقاعد من وزارة الداخلية: “يجب أن نأخذ من التنمية ما ينفعنا، ونترك ما يضر ترابطنا، فالإنسان هو الذي ابتكر الهاتف وهو الأقدر على التحكم فيه”.
وشدد على أهمية تقنين الاستخدام خاصة في ظل تخصيص عام 2026 “عام الأسرة” تنفيذا لتوجيهات القيادة الرشيدة. وقال إن انشغال الأطفال بالهواتف ساهم في تراجع الدفء الأسري مقارنة بالماضي.
بدورها، قالت منى السويدي، ربة منزل، إن العزل الرقمي أصبح من أبرز التحديات التي تهدد الدفء الأسري، داعية إلى إعادة ترتيب الأولويات داخل المنازل، وإحياء المجالس العائلية، وتخصيص وقت خالي من الأجهزة. وأضافت أن تعزيز الحوار الأسري ورصد تأثير المحتوى الرقمي على الأطفال يمثل ركيزة أساسية لاستعادة التوازن.
وقالت الأم العاملة ميادة حسن، إن ضغوط العمل تقلل من الوقت العائلي، وتترك فراغاً قد يدفع الأطفال لقضاء المزيد من الوقت أمام الشاشات بحثاً عن الترفيه أو التواصل الرقمي، مؤكدة أن ضعف التفاعل ينعكس سلباً على الحوار العائلي ويجعل الأجهزة بديلاً سهلاً للحضور العاطفي.
وشددت على ضرورة تخصيص فترات يومية خالية من الأجهزة، مع الاستثمار في الإجازات والأنشطة المشتركة لتعزيز الترابط، لافتة إلى أن الحل لا يكمن في الوقاية، بل في الإدارة الواعية للاستخدام بحيث لا يطغى على التواصل داخل المنزل.
أما المربي الدكتور فارس الجبور، فرأى أن العزل الرقمي خلق مفارقة واضحة، حيث يجتمع أفراد الأسرة في مكان واحد، بينما كل فرد منشغل بشاشته، لافتاً إلى أن الاستخدام المفرط للأجهزة يقلل من التفاعل العاطفي الذي هو أساس بناء التماسك الأسري.
ودعت المربية سلمى عيد إلى تبني مبادرات أسرية بسيطة ومستدامة لمواجهة الظاهرة، مثل تخصيص “ساعة حوار يومي” بدون هواتف، ومبادرة “يوم بلا شاشة”، وإحياء الزيارات العائلية والمجالس المنزلية، بالإضافة إلى إشراك الأطفال في أنشطة مشتركة تعزز الانتماء والتفاعل الأسري، مؤكدة أن التكنولوجيا ليست عدوا في حد ذاتها، ولكنها قد تتحول دون وعي إلى حاجز صامت يفصل بين أفراد الأسرة.
كما دعت عضو المجلس الوطني الاتحادي منى رشيد طحنون إلى تعزيز الرقابة الواعية على استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، وحمايتهم من أي محتوى قد يؤثر على قيمهم وسلوكهم.
وشددت على ضرورة إعادة بناء التواصل على أساس الحوار والإصغاء والحضور الإنساني الفعلي.
وقالت مديرة مركز أمان للمرأة والطفل في رأس الخيمة، خديجة العاجل، إن آثار العزل الرقمي أصبحت ملموسة داخل الأسر، موضحة أن قضاء الأطفال ساعات طويلة أمام الشاشات يقلل من فرص التواصل الطبيعي مع الوالدين، ويجعل من الصعب تلبية احتياجاتهم العاطفية بالشكل المطلوب.
وأضافت أن العديد من حالات التفكك الأسري التي تصل إلى المركز ترتبط بضعف التواصل وانشغال كل فرد بعالمه الرقمي الخاص.
قالت رئيسة كشافة رأس الخيمة، مريم الشحي، إن قيم المجتمع الإماراتي تقوم على احترام الأسرة والحفاظ على الوقت المشترك بين أفرادها، مؤكدة أن التقدم مرحب به طالما أنه لا يضعف الهوية أو التقاليد، مشيرة إلى أن التكنولوجيا خلقت لتعزيز التواصل وليس إضعافه، لكن غياب الحدود الواضحة أدى إلى نتائج عكسية تتطلب الوعي والسيطرة.
قال خبير التكنولوجيا الرقمية شادي دياب، إن التعامل مع التحديات المرتبطة بالاستخدام المفرط للشاشات يتطلب رؤية متوازنة تقوم على إدارة التكنولوجيا وليس استبعادها. وأوضح أن الحل لا يقتصر على تقليل ساعات الاستخدام، بل يمتد إلى استثمار الأدوات الرقمية في التوعية لتعزيز التواصل بين أفراد الأسرة.
وأشار إلى أهمية تفعيل أنظمة الرقابة الأبوية، واعتماد تطبيقات إدارة الوقت، وضبط الإشعارات، بالإضافة إلى تحديد فترات استخدام واضحة، بما يقلل من التشتت ويعزز التركيز والتفاعل العائلي.
أفاد اختصاصي الإرشاد الأسري وإعلام الأسرة والطفل الدكتور سعيد العمودي، بأن مشهد اجتماع الأسرة في مكان واحد وكل فرد منشغل بشاشته هو ظاهرة متكررة تعرف بـ”العزلة الرقمية”، مؤكدا أنها تحولت من استثناء إلى نمط يؤثر بشكل مباشر على جودة العلاقات الأسرية.
وأشار إلى أن الاستخدام المفرط للأجهزة الذكية يضعف التفاعل العاطفي والحوار داخل المنزل، مضيفا أن الأطفال والمراهقين يتحملون عواقب هذا النمط، إذ يرتبط الاستخدام المفرط بضعف التركيز واضطرابات النوم والقلق وتراجع المهارات الاجتماعية، مؤكدا أن المشكلة غالبا لا تكمن في الهاتف نفسه، بل في غياب التنظيم والحوار، وأن الحل يكمن في الاستخدام الواعي، وإيجاد بدائل جذابة، وتعزيز قدوة الأسرة.
وقالت طبيبة الصحة النفسية إيمان محمد، إن الاستخدام المفرط للشاشات قد يتحول إلى سلوك قهري إذا ترافق مع انسحاب اجتماعي واضح، أو تراجع في الأداء الأكاديمي، أو اضطرابات في النوم والمزاج، مؤكدة أهمية التدخل المبكر من خلال جلسات الإرشاد السلوكي، وتدريب الأسرة على إدارة الوقت الرقمي، ومراقبة المؤشرات التحذيرية قبل تفاقم الحالة.
وذكرت أن مرحلة المراهقة بطبيعتها تدفع مستخدميها إلى البحث عن الانتماء والتفاعل الاجتماعي، ما يجعل المنصات الرقمية بيئة جذابة للغاية لهذه الفئة، داعية إلى توفير بدائل واقعية وآمنة تعزز الرضا الاجتماعي داخل الأسرة والمدرسة، بدلا من الاقتصار على التحذيرات من الاستخدام.
محمد صالح بداح:
• انشغال الأطفال بالهواتف ساهم في تراجع الدفء الأسري مقارنة بالماضي.
منى السويدي:
• العزلة الرقمية هي التحدي الأبرز للعائلات، ولا بد من إعادة ترتيب أولويات المنازل.
للمزيد : تابع خليجيون 24 ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر




