سفير إثيوبيا لدى الدولة :العلاقات الإماراتية -الإثيوبية شراكة استراتيجية متنامية

سفير إثيوبيا لدى الدولة :العلاقات الإماراتية -الإثيوبية شراكة استراتيجية متنامية
أبوظبي في 17 أبريل/وام/ أكد سعادة الدكتور جمال بكر عبدالله، سفير جمهورية إثيوبيا الفيدرالية الديمقراطية لدى الدولة، أن العلاقات الثنائية بين جمهورية إثيوبيا الفيدرالية الديمقراطية ودولة الإمارات العربية المتحدة تمثل نموذجاً متقدماً للعلاقات الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين، مشيراً إلى أن توصيف هذه العلاقة يقتضي النظر أولاً إلى ما يجمع البلدين من رؤى ومصالح وقيم مشتركة، وما يربطهما من شراكة استراتيجية تعززت بصورة واضحة منذ تولي الحكومة الإصلاحية في إثيوبيا السلطة عام 2018.
وقال سعادته في حوار مع وكالة أنباء الإمارات /وام/ إن أديس أبابا تنظر إلى دولة الإمارات باعتبارها أحد شركائها الاستراتيجيين الرئيسيين في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، موضحاً أن مجالات التركيز في هذه العلاقة تبدأ بوجود توافق قوي في الرؤى بين قيادتي البلدين، لا سيما بين صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة “حفظه الله” ومعالي الدكتور آبي أحمد رئيس وزراء جمهورية إثيوبيا الفيدرالية الديمقراطية، حيث تربطهما علاقة أخوية وثيقة، وهو ما يُعد شاهداً على متانة هذه العلاقة.
وأضاف أن هذا التقارب تجلى أيضاً عندما وقعت الحرب مؤخراً إذ حضر معاليه في خضمها ليبعث برسائل تؤكد تضامن إثيوبيا المخلص مع دولة الإمارات .
وأضاف أن هذه العلاقة لا تقوم على منطق المعاملات الآنية، بل تستند إلى مبادئ التعايش والأخوّة والاحترام المتبادل، وأن هذا التوافق الاستراتيجي فتح آفاقاً جديدة للتعاون، خاصة في مجال السلام والأمن الإقليميين، إلى جانب التعاون الاقتصادي في مجالات الاستثمار والتجارة وغيرها، فضلاً عن التعاون الثقافي، مؤكداً أن تطلعات البلدين متوافقة، وأن هذه العلاقة تمثل واحدة من النماذج المثالية للعلاقات الثنائية في القرن الحادي والعشرين.
وأوضح سعادة السفير أن ركائز العلاقة الاستراتيجية اليوم تقوم على تقارب السياسات بين البلدين على المستويات العالمية والإقليمية والثنائية، لافتاً إلى أن أحد أبرز مجالات التعاون الاستراتيجي بين البلدين يتمثل في العمل من أجل السلام والاستقرار. وأشار إلى أن إثيوبيا تُعد من الأعضاء المؤسسين للأمم المتحدة وعصبة الأمم، ولها أدوار قوية في حفظ السلام على المستوى العالمي، في حين برزت دولة الإمارات، خاصة في القرن الحادي والعشرين، كإحدى الدول الفاعلة في صناعة السلام عالمياً، سواء من خلال الإسهام في جهود إحلال السلام وحفظه، أو عبر تقديم الدعم المالي لتعزيز الاستقرار على المستوى الدولي، ما يعكس تقارباً واضحاً في القيم بين البلدين.
وقال سعادة الدكتور جمال بكر عبدالله إن البلدين يعملان معاً من أجل السلام والأمن الإقليميين، موضحاً أن جغرافيا دولة الإمارات وإثيوبيا متقاربة، وأن هناك نظرية تُعرف باسم “نظرية مجمع الأمن الإقليمي” تؤكد أنه لا يمكن فصل أمن إثيوبيا في القرن الإفريقي عن أمن الشرق الأوسط، بما في ذلك دولة الإمارات، نظراً لما بين الجانبين من ترابط وتداخل. وأضاف أنه انطلاقاً من هذا الفهم، وقّع البلدان مؤخراً، خلال زيارة معالي الشيخ شخبوط بن نهيان آل نهيان
وزير دولة -إلى إثيوبيا في بداية العام، اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة للعمل معاً من أجل السلام والاستقرار والأمن الإقليمي، ما فتح مجالات جديدة للعمل المشترك لتحقيق هذه الأهداف.
وأشار إلى أن المجال الاستراتيجي الثاني يتمثل في التعاون الاقتصادي، موضحاً أن إثيوبيا تمضي في انفتاح اقتصادي منذ تولي الحكومة الإصلاحية بقيادة دولة رئيس الوزراء الدكتور آبي أحمد السلطة، وأن دولة الإمارات تُعد أحد أبرز شركائها في هذا المجال. ولفت إلى أن فرص التعاون الاقتصادي تشمل الاستثمار، حيث إن إثيوبيا دولة كبيرة تُعد ثاني أكبر دولة إفريقية من حيث عدد السكان، إذ يزيد عدد سكانها على 130 مليون نسمة، وغالبيتهم من الشباب، وهو ما يمثل فرصة مهمة. وبيّن أن بلاده تعمل على تحديد فرص الاستثمار في عدد من القطاعات، أبرزها الزراعة والصناعات الزراعية التحويلية، والتصنيع، والتعدين، بما في ذلك الذهب والليثيوم والبوتاسيوم والمعادن الحيوية، إضافة إلى التكنولوجيا التي تُعرف بها دولة الإمارات، فضلاً عن السياحة. وكشف أنه يوجد حالياً أكثر من 130 شركة إماراتية كبيرة تنفذ أكثر من 160 مشروعاً في إثيوبيا.
وأضاف سعادة السفير أن إثيوبيا تمتلك مساحات شاسعة من الأراضي ذات الأهمية الزراعية، تصل إلى نحو 50 مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة، لم يُستغل إلا جزء محدود منها حتى الآن، فيما تتجاوز المساحات القابلة للزراعة 30 مليون هكتار. وأوضح أن ذلك يتيح فرصاً كبيرة للعمل في قضايا الأمن الغذائي من خلال الزراعة والتصنيع الزراعي، مشيراً إلى أن ثمة تعاونا وثيقا حاليا مع حكومة دولة الإمارات في هذا المجال. ولفت إلى أنه، ورغم وجود استثمارات زراعية قائمة بالفعل في إثيوبيا، فإن بلاده تتطلع إلى التوسع فيها على نطاق أوسع، وبأسلوب ميكني ومنظم ومنسق، بما يتيح الإسهام في الأمن الغذائي للدولة من خلال الاستفادة من الأراضي والمياه الوفيرة والعمالة الماهرة في إثيوبيا، إلى جانب رأس المال والتكنولوجيا والخبرة التي تمتلكها دولة الإمارات، بما يحدث تحولاً نوعياً في العلاقة بين البلدين. وأكد أن العمل في هذا المسار يتقدم بصورة جيدة.
وفيما يتعلق بالمجال الاستراتيجي الثالث، أشار إلى التعاون الثقافي والعلاقات بين الشعبين، موضحاً أن دولة الإمارات تمثل وطناً لأكثر من 300 ألف إثيوبي يسهمون بشكل فاعل في رفاه هذا البلد من خلال عملهم وإنتاجهم، وينقلون في الوقت ذاته قيم إثيوبيا إلى هذا المجتمع الذي يعتبرونه أيضاً وطناً لهم، في حين ينظر كثير من الإثيوبيين إلى دولة الإمارات باعتبارها وطنهم الثاني. وأكد أن الجميع يعتزون بهذه العلاقة، معرباً عن شكره لقيادتي البلدين وللشعب الإماراتي على حفاوة الاستقبال ودفء الترحيب، ومشدداً على ضرورة تنمية هذا الارتباط الثقافي.
كما أشار إلى وجود فريق تعليمي إثيوبي كبير في الدولة، يزيد على 400 شخص، إلى جانب استفادة إثيوبيا مؤخراً من منح الشيخ محمد بن زايد الدراسية التي تستهدف دعم مستقبل البلاد، معتبراً أن هذه المبادرة استثمار طويل المدى، إذ تسهم على مستوى الأسرة الإثيوبية في توطيد الشراكة في القيم بين إثيوبيا والإمارات، كما أن القادة الشباب الصاعدين الذين يتلقون تعليمهم هنا سيعودون إلى بلادهم سفراء لدولة الإمارات. وأضاف أن هناك أيضاً نشاطاً واسعاً في العلاقات بين رجال الأعمال، حيث تشهد الحركة التجارية والتنقل بين البلدين نشاطاً يومياً، داعياً إلى توسيع نطاق الروابط الثقافية والشعبية بما يتجاوز الأجيال والآفاق من أجل العمل المشترك لصالح الأجيال القادمة.
وأوضح السفير الإثيوبي أنه من المهم النظر إلى العلاقة بين الدولتين من زاويتين؛ الأولى تتعلق بالمزايا النسبية التي تمتلكها إثيوبيا، والثانية بما تتمتع به دولة الإمارات من مزايا خاصة. وقال إن إثيوبيا تمتلك أولاً أراض زراعية واسعة جداً، وثانياً موارد مائية يمكن توظيفها، وثالثاً طاقة منخفضة الكلفة تُعد من الأنظف على وجه الأرض، حيث إن نحو 98% من الطاقة في إثيوبيا متجددة، ورابعاً قوة عمل وفيرة وماهرة. وأضاف أن هذه المزايا يمكن أن تتكامل مع مزايا دولة الإمارات التي تمتلك، أولاً، وفرة كبيرة في رأس المال، وثانياً، التكنولوجيا، سواء في مجال الذكاء الاصطناعي أو غيره من مجالات الزراعة والتصنيع القادرة على الارتقاء بهذه العلاقة، وثالثاً، الخبرات المتنوعة، إذ تمثل الإمارات موطناً للكفاءات من مختلف أنحاء العالم. وأكد أن الاستفادة من المواهب العالمية، إلى جانب مواءمة المزايا النسبية الإثيوبية مع مزايا الإمارات، كفيل بإحداث تحول شامل، وأن مزامنة هاتين الرؤيتين ستصنع مستقبلاً أفضل للجميع .
وأكد أن الأمن الغذائي لدولة الإمارات يمثل أولوية حيوية لأي دولة، كما هي الحال بالنسبة لبلاده، وأنه في ضوء المزايا النسبية لإثيوبيا يمكن جذب استثمارات كبيرة في القطاع الزراعي. وأضاف أن إثيوبيا بلد واسع، ومناخه ملائم في مختلف الأقاليم ، ما يتيح استقطاب رأس المال اللازم لإقامة مشاريع كبرى. وأعرب عن تشجيعه لحكومة دولة الإمارات على إنشاء قطاع أو مجمع زراعي صناعي مخصص لدولة الإمارات في إثيوبيا، موضحاً أن بلاده معروفة بثروتها الحيوانية، فهي تمتلك أكبر عدد من الماشية في إفريقيا، ومن بين الأكبر عالمياً. وقال إن هذا القطاع يمكن أن يستفيد من التكنولوجيا الحديثة، سواء في التغذية أو في مجالات التحسين الوراثي والتكيّف مع البيئة، بما يعزز الإنتاج.
وأضاف أن اللحوم الإثيوبية تتمتع بجودة عالية، وأن القيمة المضافة في قطاع الثروة الحيوانية يمكن أن تكون كبيرة، كما أن إثيوبيا تنتج محاصيل زراعية ذات قيمة عالية، منها الأفوكادو والحبوب والخضروات. وأشار أيضاً إلى البن الإثيوبي، مؤكداً أنه من أفضل أنواع القهوة في العالم، ما يجعل من هذا القطاع فرصة مهمة أمام دولة الإمارات للتعاون في المجال الزراعي والأمن الغذائي. وكشف عن طرحه فكرة إنشاء “حزام أخضر” مخصص لدولة الإمارات، وقال إنه قدم هذه الفكرة بالفعل إلى المسؤولين، معرباً عن أمله في أن تُسهم في إحداث نقلة نوعية في الشراكة بين البلدين.
وأضاف أن المجال الثاني للتعاون يتمثل في التصنيع، حيث تمتلك إثيوبيا مزايا نسبية في الطاقة والعمالة، الأمر الذي يجعل ضخ رؤوس الأموال في قطاعات مثل الصناعات الدوائية والمعدات الجراحية خياراً ذا جدوى، لا سيما أن إثيوبيا تستورد كميات كبيرة من المنتجات الدوائية والمستلزمات الطبية، وبالتالي فإن إقامة هذه الصناعات في إثيوبيا تمثل ميزة تنافسية مهمة، إلى جانب إتاحة فرص للتقدم التكنولوجي في هذا المجال.
وأشار سعادة السفير إلى أن المجال الثالث للتعاون هو البنية التحتية، موضحاً أن دولة الإمارات تتمتع بمكانة عالمية رائدة لا تضاهى في الموانئ والخدمات اللوجستية، مستشهداً بما تقوم به “موانئ دبي العالمية” و”مجموعة أبوظبي للموانئ” في ربط الدول وتعزيز سلاسل الإمداد. وقال إن إثيوبيا، بوصفها دولة غير ساحلية حالياً، تطمح إلى الحصول على منفذ إلى البحر استناداً إلى القانون والدبلوماسية الدولية، وإلى حين تحقق ذلك فإنها تحتاج إلى تعزيز الربط اللوجستي من جيبوتي إلى أديس أبابا، ومن بربرة إلى الداخل الإثيوبي، ما يتطلب الاستفادة من الخبرات الإماراتية والاستثمار في هذا المجال.
وأضاف أن المجال الرابع ضمن هذا السياق هو تطوير المطارات، مشيراً إلى أن إثيوبيا تعمل حالياً على تطوير مطار ضخم سيكون من بين الأكبر في العالم والأول في إفريقيا، بطاقة استيعابية تصل إلى 110 ملايين مسافر سنوياً. وقال إن هناك استثمارات كبيرة في هذا الجانب، وإن صندوق أبوظبي للتنمية يسهم بشكل جيد في عدد من المشاريع في إثيوبيا، معرباً عن تطلعه إلى مواصلة العمل في هذا الاتجاه ودعم المشاريع الجديدة التي ستنبثق عنه. وحين سُئل عن اسم المطار، أوضح أن اسمه “مطار بشوفتو”، وأن مراسم وضع حجر الأساس أُنجزت مؤخراً من قبل رئيس الوزراء الإثيوبي وشركاء المشروع. وأكد أن دولة الإمارات من الدول التي تؤمن إثيوبيا بأنها تمتلك القدرة والمعرفة والإرادة الطيبة على أعلى المستويات، داعياً المستثمرين إلى الاستفادة من الفرص المتاحة في هذا المشروع، الذي من شأنه أن يعزز الازدهار القائم، ويربط إفريقيا والشرق الأوسط بصورة أكبر، في تكامل مع دور كل من “طيران الإمارات” والخطوط الجوية الإثيوبية، بما يحقق مزيداً من التواصل بين القلوب والعقول.
وفي الشق المتعلق بالسلام والاستقرار، قال إن إحدى القيم الجوهرية المشتركة بين دولة الإمارات وإثيوبيا هي القيمة التي يوليها البلدان للسلام، مشيراً إلى أن السلام لا يتحقق بمجرد الدعوة إليه، بل يحتاج إلى عناصر ملموسة تُغيّر حياة الناس، وعلى رأسها الازدهار والتنمية المستدامة. وأضاف أن الحوار وتحقيق السلام والاستقرار يمثلان شرطاً مسبقاً لذلك، موضحاً أن إثيوبيا تُعد من الدول الداعمة للسلام والاستقرار، وأن دولة الإمارات شريك في هذا المسار في ظل التحولات العالمية الجارية، وخاصة في منطقة القرن الإفريقي. وأشار إلى أن البلدين ينخرطان بفاعلية في قضايا السودان وجنوب السودان والصومال وإريتريا، وهي مناطق شديدة الحساسية تحتاج إلى السلام بوصفه شرطاً أساسياً للاستقرار والوجود. وقال إن البلدين يشتركان في رؤية تقوم على تعزيز التنمية وخلق فرص العمل وتوسيع الروابط، بما يقرب الشعوب من بعضها البعض ويحرم الأفكار المتطرفة من البيئة التي تتغذى عليها.
وأضاف أن هناك جماعات إرهابية تنشط في منطقة شمال إفريقيا والقرن الإفريقي، من بينها “داعش” و”الشباب”، وأنه ينبغي التصدي لها، مشيداً بما تقوم به دولة الإمارات من جهود وتضحيات في هذا الإطار من أجل السلام والاستقرار في القرن الإفريقي. كما أعرب عن تقديره لقيادة الدولة برئاسة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان حفظه الله لما توليه من اهتمام بهذه القضايا وما تقدمه من دعم لتحقيق السلام في المنطقة.
وفي ما يتعلق بالسودان، قال إن إثيوبيا ودولة الإمارات تؤمنان بأن السبيل الوحيد للخروج من الأزمة هو الحوار، وإن عملية السلام يجب أن تكون مملوكة للسودانيين أنفسهم، بقيادة سودانية، وبدعم من الهيئة الحكومية للتنمية “إيغاد” والاتحاد الإفريقي وشركاء آخرين. وأضاف أن البلدين يقدمان الدعم اللازم لتيسير هذا المسار ومنع العودة إلى دائرة الصراع، ومساندة الشعب السوداني للخروج من هذه الحرب التي وصفها بأنها من أسوأ النزاعات التي شهدتها المنطقة وتقع على مقربة مباشرة من إثيوبيا، ما يجعل استمرارها أمراً مرفوضاً، نظراً إلى آثارها المباشرة أيضاً على الإمارات وإثيوبيا. وأكد أن البلدين يعملان من أجل السلام والاستقرار عبر الدفع نحو الحوار، مشيراً إلى استضافة عدد من جلسات الحوار بدعم من ممثلي دولة الإمارات، وجمع الأطراف المتنازعة من دون انحياز إلى أي طرف، انطلاقاً من مصلحة واحدة تتمثل في رؤية السودان آمناً ومستقراً وتحقيق تطلعات شعبه، مؤكداً أن هذا هو موضع الالتقاء بين إثيوبيا والإمارات وأن العمل سيستمر في هذا الاتجاه.
وأشار إلى أن النقطة الثالثة في هذا المجال تتعلق بتبادل المعلومات والتعاون العسكري، موضحاً أن منطقة البحر الأحمر، وكذلك الخليج العربي وخليج عُمان وبحر العرب وباب المندب، تشهد حالة من التقلب والتوتر، وأن ضمان الأمن والاستقرار في هذه المنطقة يعني ضمان الأمن والاستقرار على المستوى العالمي. وأضاف أن المناوشات والحروب الأخيرة في هذه المنطقة لها تأثير مباشر على تدفقات الطاقة والأمن الغذائي وحركة العمالة، ما ينعكس فوراً على شعوب الشرق الأوسط والمنطقة ككل، كما يؤثر بصورة غير مباشرة على العالم وقطاعاته المختلفة. وقال إن هناك حاجة للعمل المشترك لضمان السلام، والتصدي لأي عناصر تحاول زعزعة الاستقرار وفرض إرادتها على منطقة القرن الإفريقي، لا سيما الجماعات الإرهابية، مؤكداً أن دولة الإمارات تدعم بناء القدرات العسكرية والأمنية وإدارة هذه الملفات، انطلاقاً من أن ما يحدث هناك ينعكس هنا، ما يستدعي تعزيز تبادل المعلومات والتنسيق لمواجهتها. وأعرب عن شكره لحكومة دولة الإمارات على مساهمتها في دعم السلام والاستقرار في منطقة البحر الأحمر وخليج عُمان ومناطق أخرى من العالم، مؤكداً أن هذه الجهود تؤتي ثمارها.
وفي ما يتعلق بالطاقة والتغير المناخي، قال سعادة السفير إن هذا الملف يمثل أحد مجالات التعاون على المستوى العالمي، لافتاً إلى أن دولة الإمارات تُعد من الدول الرائدة في مجال التحول في قطاع الطاقة، وتستضيف الوكالة الدولية للطاقة المتجددة “آيرينا”، في حين أن إثيوبيا عضو مؤسس فيها ومن الداعمين بقوة لمجال الطاقة المتجددة. وأضاف أن نحو 98% من الطاقة في إثيوبيا طاقة نظيفة، مشيراً إلى أن بلاده اختيرت العام الماضي لاستضافة مؤتمر “كوب 32”.
وأوضح أن ذلك يعود إلى عدة أسباب، أولها أن إثيوبيا باتت من الدول الرائدة في التحول الأخضر، وثانيها مبادرة “الإرث الأخضر” التي أطلقها رئيس الوزراء الدكتور آبي أحمد، والتي تم في إطارها زراعة أكثر من 48 مليار شتلة أسهمت في تغيير المشهد البيئي وتعزيز قابلية العيش في البلاد. كما أشار إلى أن إثيوبيا تتبنى دوراً قيادياً في ملف المناخ، انطلاقاً من قناعة بأنها لا ينبغي أن تكون مجرد ضحية للتغير المناخي، بل أن تكون في موقع القيادة من خلال حلول محلية المنشأ.
وقال إن دولة الإمارات من جهتها تتحرك في الاتجاه ذاته، وكانت قد استضافت مؤتمر “كوب 28” وعملت على الدفع نحو انتقال عادل ومنظم ومنصف إلى الطاقة النظيفة، كما تدعم هذه الأجندة على المستوى الدولي وتمضي في هذا الاتجاه برؤية مستقبلية، مهنئاً القيادة
وأضاف أن إثيوبيا تحتاج من دولة الإمارات إلى ثلاثة أمور في هذا الملف؛ أولها الاستفادة من الخبرة التي اكتسبتها الدولة في استضافة مؤتمر “كوب28” وهي خبرة قائمة وجاهزة، وقد أبدت بالفعل استعدادها لوضع مختلف اللجان التوجيهية والخبرات اللازمة لدعم إثيوبيا، مشيراً إلى أن هذا الدعم بات قيد الإعداد ويُراد الاستفادة منه في أقرب وقت ممكن. وثانيها الاستفادة من الخبرات الفنية واللوجستية المتعلقة بإدارة المؤتمرات الكبرى وتنظيمها وربط مختلف عناصرها. أما ثالثها فيتمثل في إشراك أصحاب المصلحة المختلفين في العملية، حيث إن لدولة الإمارات خبرة واسعة في إدارة مؤتمر دولي كبير من هذا النوع، وقد كانت إثيوبيا حاضرة فيه بجناح بارز، وزاره كل من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ورئيس الوزراء الإثيوبي، وتناولا معاً القهوة الإثيوبية في مناسبة خاصة، معتبراً أن هذه الحيوية وهذا التفاعل هما مما تحتاجه إثيوبيا لإنجاح استعداداتها، والتي كانت قد بدأت بالفعل.
وفيما يخص العلاقات الثقافية والروابط بين الشعبين بعيداً عن السياسة والاقتصاد، شدد على أن هذا الجانب يمثل جوهر العلاقة، موضحاً أن ما يربط البلدين عبر الزمن هو منظومة القيم، وأن العلاقات بين الشعوب هي التي تنقل هذه القيم إلى الأجيال المقبلة.
وأضاف أن الإثيوبيين يساهمون في رفاه هذا البلد ويشكلون جزءاً من نسيجه الاجتماعي، وأن المطلوب هو تعبئة هذه الروابط وتنظيمها. وأشار إلى أن هناك ثلاثة عناصر مهمة في هذا السياق: ما يتم القيام به حالياً، وما يُرسم من أهداف للأجيال القادمة، وسبل تعزيز الترابط بين البلدين. وقال إن قيادتي البلدين تتشاركان الرؤى والقيم التي تدفعهما إلى العمل معاً لإحداث تحول في البلدين، وإن هذا التكامل قائم على المستويين العالمي والإقليمي، لكن الحفاظ على هذه القيم يتطلب إضفاء طابع مؤسسي عليها، وأحد سبل ذلك يتمثل في تنظيم التبادل الثقافي وتعزيز العلاقات الشعبية. وفي هذا الإطار، أعرب عن شكره لصاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله على منح الشيخ محمد بن زايد الدراسية المقدمة للإثيوبيين، مشيراً إلى أن ما يقارب ألف طالب إثيوبي يواصلون حالياً تعليمهم العالي، وأنهم من الطلبة المتفوقين والمتميزين، ويؤدون أيضاً دور سفراء لإثيوبيا في دولة الإمارات، وعند عودتهم يصبحون سفراء لدولة الإمارات في بلادهم، ينقلون القيم التي عاشوها وما لمسوه من رعاية وتقدير في هذا البلد. وأكد ضرورة بناء مؤسسات تجمع بين الناس عبر الأجيال.
وقال إن المجال الثاني في هذا السياق هو التعليم، موضحاً أنه مهم للغاية على المستويين العالي والأساسي، وأن هناك مدارس شُيدت في إثيوبيا بدعم من حكومة دولة الإمارات، إلى جانب التنسيق مع مبادرات قائمة في الدولة. وأضاف أن التعليم والتدريب التقني والمهني يمثلان أحد المجالات الأساسية، نظراً لدورهما في تطوير المهارات ذات البعد الاقتصادي، وأن هذا النوع من التدريب المدعوم والمستفاد من الخبرة الموجودة في الدولة، إذا طُبق في مجالات مهنية مختلفة، سيكون له أثر بالغ في إحداث تحول يقرب البلدين والشعبين من بعضهما البعض.
وأشار إلى أن المجال الثالث يتمثل في التعاون الديني، موضحاً أن إثيوبيا، مثل دولة الإمارات، بلد متعدد الثقافات، وأن البلدين يتشاركان تقاليد إبراهيمية. وقال إنه زار “بيت العائلة الإبراهيمية” في الدولة، مذكّراً بالمكانة التي تحتلها إثيوبيا في التاريخ الإسلامي، استناداً إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «اذهبوا إلى الحبشة فإن فيها ملكاً لا يُظلم عنده أحد»، في إشارة إلى النجاشي، حيث لجأ أوائل المسلمين إلى إثيوبيا طلباً للحماية.
وأضاف أن الإثيوبيين عُرفوا دائماً بحسن الاستقبال والترحيب، وأن هذا الارتباط بين الشعبين، إلى جانب قيم السلام والاستقرار والعدالة، يُعد جزءاً أصيلاً من تكوينهم. وأوضح أنه رغم أن الوصول إلى إثيوبيا قد يكون صعباً في الأوقات العصيبة، فإن من يقصدها يجد الترحيب ولا يُقابل بالرفض.
وأكد سعادة السفير أن هذه القيم تمثل أساساً يمكن البناء عليه لتعزيز التعايش الديني وتحقيق الرخاء المشترك، حيث يعيش الجميع في وحدة وانسجام، مشدداً على أهمية تنظيم الفعاليات والمبادرات الثقافية والدينية لدعم هذا التوجه
وأضاف أن النقطة الرابعة تتعلق بالسياحة، مشيراً إلى أن إثيوبيا تعمل حالياً على تطوير وجهات سياحية كبرى في إطار مبادرات يقودها رئيس الوزراء وتهدف إلى خدمة الوطن والأجيال المقبلة، وأن ما تم تطويره من مرافق سياحية حديثة ومتقدمة يجعل من التجربة، بحسب تعبيره، أقرب إلى الجنة. وقال إن إثيوبيا غنية بالآثار بالنسبة إلى محبي التاريخ، ولم تخضع للاستعمار قط، وتمتلك إرثاً تاريخياً واسعاً، كما أنها تُعد مهد الإنسانية والطبيعة، وموطن القهوة، وبلداً يحتضن تنوعاً كبيراً في الحياة البرية، وهي مكان يمكن أن يجد فيه الزائر كل شيء. وأضاف أن الطقس فيها معتدل على مدار العام، إذ تتراوح درجات الحرارة بين 15 و25 درجة مئوية، بما يغني عن استخدام أجهزة التكييف، لافتاً إلى أنه في بلاده لا يستخدمون التكييف طوال العام، وداعياً مواطني دولة الإمارات إلى زيارتها خلال الصيف. وأوضح أن هناك عدداً من الوجهات السياحية التي يجري تطويرها حالياً في أديس أبابا والمناطق القريبة منها، بما يشمل نحو 200 منطقة، وأنه بدءاً من الشرق توجد منطقة شبيلي التي ينتمي إليها، حيث أُنشئ منتجع من قبل رئيس الوزراء وجرى افتتاحه بحضور رؤساء حكومات من إثيوبيا والصومال وجيبوتي وكينيا، ليكون نقطة التقاء لمنطقة القرن الإفريقي. وأشار إلى أنه بالمضي شرقاً توجد منخفضات داناكيل لعشاق المغامرة، داعياً الإماراتيين المحبين لهذا النوع من السياحة إلى زيارتها للتعرف إلى موطن بدايات الإنسانية ضمن مشهد طبيعي فريد. وأضاف أنه بالنسبة إلى عشاق الطبيعة والحياة البرية، فإن منتزه بالي الوطني يشكل وجهة مهمة تحتضن أنواعاً متنوعة من الحيوانات.
للمزيد : تابع خليجيون 24 ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر
مصدر المعلومات والصور : wam



