تقارير

حقوق شعب «السامي» في السويد تصطدم بخطط التنمية الصناعية

بالنسبة للسياسي السويدي الصامي، آسا لارسون بليند، فإن التطور الأخير في التعرض لحقوق شعب “السامي” في السويد، وهم السكان الأصليون للبلاد، يمثل نقطة تحول في الجدل الوطني المتصاعد حول حقوق الشعوب الأصلية، خاصة في ظل التوتر المتزايد بين حماية حقوق الشعب “السامي”، وخطط التنمية الصناعية واستغلال الموارد الطبيعية في المناطق الشمالية من البلاد.

وبينما تستعد السويد للانتخابات، ألقت نائبة رئيس الوزراء ووزيرة الطاقة إيبا بوش سلسلة من الخطابات ونشرت عدداً من المقالات التي انتقدت فيها علناً حقوق شعب سامي في رعي قطعان الرنة على أراضي أجدادهم.

وقال بوش، خلال مؤتمر صحافي، إن تربية الرنة تمثل «صناعة تمس مساحات شاسعة، لكن أهميتها الاقتصادية محدودة».

ودعا حزبها الديمقراطيون المسيحيون، الشريك الأصغر في الائتلاف الحكومي السويدي المكون من ثلاثة أحزاب من يمين الوسط، إلى خفض أعداد الرنة ورفع السرية عن تربية الرنة باعتبارها “مصلحة وطنية”، فضلاً عن مطالبة الدولة “باستعادة المسؤولية” عن الأراضي التي يستخدمها الرعاة لرعي قطعانهم.

ويأتي هذا الموقف في الوقت الذي تعمل فيه الحكومة السويدية على فتح المناطق الشمالية، التي تتميز بانخفاض الكثافة السكانية، لمزيد من استغلال الثروات المعدنية.

ويأتي ذلك أيضًا في إطار جهود السويد والاتحاد الأوروبي بشكل عام لتقليل الاعتماد على الواردات الصينية من المعادن الاستراتيجية والمواد الخام، بالإضافة إلى خطط توسيع قدرات البلاد في مجال الطاقة النووية.

أعداء التنمية

وقالت بليند إن المشاعر المعادية للصاميين خلال الفترات التي سبقت الانتخابات، وخاصة على المستوى المحلي، ليست ظاهرة جديدة، لكنها وصفت نطاق الخطاب الأخير بأنه “مثير للدهشة للغاية”.

وأضاف بليند، عضو البرلمان الصامي الذي تم إنشاؤه بهدف حماية مصالح هذا الشعب، خلال مقابلة صحفية: “إذا نظرت إلى الأمر من منظور عام، ستجد أن نائب رئيس الوزراء يسلط الضوء على فئة معينة من الناس، ويصورهم على أنهم أعداء التنمية في السويد”.

وتابعت: «من الواضح تمامًا أنها لا تشعر بأي حاجة لكسب دعم الشعب (السامي)».

النقاش الوطني

تصاعدت قضية حقوق شعب سامي في الأراضي خلال الفترة التي سبقت التصويت، المقرر إجراؤه في 13 سبتمبر/أيلول، من كونها قضية ذات طبيعة محلية إلى قضية تتصدر النقاش السياسي الوطني.

وفي برنامجها الانتخابي، تعهدت الرابطة الديمقراطية المسيحية “بحل النزاعات بين تربية الرنة والتنمية الصناعية”، بالإضافة إلى حماية “حق كل فرد في الصيد على الأراضي المملوكة للدولة”.

وفي هذا السياق، ركز حزب “ديمقراطيو السويد” اليميني المتطرف، والذي قد يدخل الحكومة لأول مرة بعد الانتخابات، على ذكر رعاة الرنة في برنامجه الانتخابي، مما يضعهم في مواجهة مباشرة مع خطط التنمية الصناعية والسياحة ومع عموم الشعب السويدي، كما شكك في حقوقهم في الأراضي.

وتدور هذه القضية تحديدًا حول خطة LKAP لتوسيع منجم ضخم لخام الحديد يقع بجوار مدينة كيرونا، ليشمل أيضًا رواسب في منطقة بير جيجر، والتي تحتوي على رواسب من خام الحديد والفوسفور، بالإضافة إلى أكبر احتياطي معروف للعناصر الأرضية النادرة في أوروبا.

وتتضمن الخطة أيضًا نقل بلدة كيرونا نفسها، التي تعاني من هبوط الأراضي الناتج عن عمليات التعدين، إلى موقع جديد أكثر استقرارًا.

وفي الصيف الماضي، اجتذبت المدينة اهتماما دوليا عندما تم نقل كنيستها الخشبية الحمراء المميزة، والتي صممت على شكل خيمة “لافو”، وهو مسكن تقليدي للشعب السامي، مسافة خمسة كيلومترات إلى موقعها الجديد.

سبل العيش

ويخشى العديد من السكان الصاميين الذين يعيشون بالقرب من كيرونا، إحدى المدن الواقعة في أقصى شمال السويد، من أن تؤدي المقايضة بين استغلال الموارد المعدنية وحماية حقوق الأرض إلى خلق سابقة من شأنها أن تمهد الطريق لتهديد أكبر لسبل عيشهم وثقافتهم، خاصة وأن مناطق الرعي التقليدية التي يعيش فيها شعب السامي قد تأثرت بالفعل بشكل كبير بوجود منجم كيرونا والتوسع المرتبط به.

وقالت إحدى رعاة الرنة، آنا كارين نيا، إنها شعرت بتجاهل الحكومة في العاصمة ستوكهولم لشعبها، مشيرة إلى أن الشعب السامي يمثل “حماة الدستور” بحكم كونه من السكان الأصليين.

وأضافت: “الأمر لا يتعلق فقط بخفض عدد قطعان الرنة بهدوء والإدلاء بتصريحات كهذه من أجل الفوز بانتخابات 2026″، موضحة أنه “حتى لو قالت الحكومة أو الاتحاد الأوروبي إن الحصول على المعادن مهم للمصلحة العامة، فإن حقوق السكان الأصليين، وحقوق الشعب (السامي)، ومصالح السكان المحليين لا تقل أهمية في الوقت نفسه، فنحن بحاجة إلى الطبيعة أيضًا”.

فجوة

ويعتقد السياسي لارسون بليند أن موقف الحكومة بدد الآمال في أن يتمكن السياسيون السويديون من التعامل بجدية أكبر مع مسؤولياتهم تجاه شعب سامي. وقالت: “إنه أمر قاسٍ للغاية، لكنني أعتقد أنه فتح أعيننا أيضًا داخل صفوفنا”. “لقد خلقت في الواقع فجوة من الصعب للغاية سدها.”

وأضافت: “حتى لو علمنا أن الحكومات السابقة لم تعط الأولوية لقضايا حقوق الشعب السامي، لم يكن مقبولا سياسيا أن نذكر ذلك بشكل واضح ومباشر، ولكن الآن بعد أن أصبح ذلك ممكنا، فهذا يعني أننا تجاوزنا الحدود المعتادة”.

من جانبه، قال رئيس قرية جابنا الصامية، لارس ماركوس كومونين، إن خطط LKAB المتعلقة بمنطقة بير جيجر ستؤدي إلى “إنهاء كل شيء” للشعب السامي، موضحًا أن المشروع سيؤدي إلى قطع الرابط بين المناطق البرية والمناطق الجبلية والغابات.

ووصف كومونين هذه الخطوة بأنها “إشارة انطلاق” لمزيد من التوسع الصناعي في جميع أنحاء السويد، مضيفًا: “سيؤثر هذا على جميع قرى الشعب السامي، ونشعر أن هناك مسؤولية كبيرة على عاتقنا”.

أما الحرفي نيلز جوهان لابا، وهو أيضاً عضو البرلمان الشعبي السامي، من كيرونا، فقال إن عملية نقل المدينة جعلتها “تنزف”، مشيراً إلى أن آثار الخطوة انعكست على مختلف جوانب الحياة، بدءاً من وسائل النقل إلى قطاع التعليم.

وأعرب لابا عن أمله في أن تركز الحكومة على معالجة المشاكل التي تعاني منها المدينة، بدلا من التركيز على ما وصفه بـ”كراهية الأقليات”.

القرارات المناسبة

من ناحية أخرى، قال عضو حزب الديمقراطيين المسيحيين، بيتر كولجرين: “تتحمل السويد مسؤولية حماية حقوق الشعب السامي، لكن يجب أن تكون الحكومة قادرة على الموازنة بين حقوق السامي والمصالح العامة الأخرى المهمة للغاية”.

وأضاف: “بالطبع، تتمتع مواردنا المعدنية بأهمية استراتيجية للسويد وأوروبا، ونحن نطبق بالفعل معايير عالية تأخذ في الاعتبار الجوانب المختلفة وتضمن الحوار والمشاركة، ولكن يجب على الحكومة أيضًا اتخاذ القرارات المناسبة عندما تتعارض المصالح العامة المهمة مع بعضها البعض”.

إيبا بوش:

. وتربية الرنة من قبل شعب سامي هي صناعة تؤثر على مساحات شاسعة، ولكن أهميتها الاقتصادية محدودة.

. يعتبر شعب السامي في السويد أنفسهم “حماة الدستور” بحكم كونهم من السكان الأصليين.

من “الغارديان” و”الإندبندنت”


التدابير المقترحة

وقالت LKAB إن خطتها لتوسيع منجم لخام الحديد بالقرب من مدينة كيرونا لا تزال في مرحلة مبكرة.

وقالت في بيان: “نعتزم مواصلة تقييم إمكانات هذا الرواسب المعدنية، حيث تخضع الطلبات حاليًا للمراجعة من قبل هيئة تفتيش المناجم السويدية، ولا تزال عملية التشاور مستمرة”.

وأضافت الشركة: “نحن ندرك أن خططنا الخاصة بالخزان الجديد من الرواسب المعدنية سيكون لها تداعيات، ولهذا السبب قدمنا ​​تقييم الأثر على رعي الرنة، والذي يتضمن تدابير مقترحة تهدف إلى دعم الظروف المناسبة لاستمرار نشاط رعي الرنة في المنطقة”. واختتمت الشركة بيانها قائلة: “نهجنا لا يقوم على تجاهل المخاوف المطروحة، بل على العمل على التوصل إلى حلول من شأنها أن تقلل من التأثيرات السلبية وتخلق الظروف التي من شأنها حماية الطرفين ومصالحهما على المدى الطويل”.


“الرنة” هي الركيزة الأساسية لثقافة الشعب “السامي”.

أصبح الحفاظ على نمط مستدام لتربية الرنة أكثر صعوبة. من المصدر

ينحدر شعب سامي من مجتمع عاش حياة بدوية لعدة قرون في منطقة تمتد عبر أقصى شمال السويد والنرويج وفنلندا، وصولاً إلى الركن الشمالي الغربي من روسيا.

وحتى ستينيات القرن الماضي، واجهت هذه الأقلية الأصلية سياسات تهدف إلى الحد من ممارستها التقليدية المتمثلة في رعي الرنة، بالإضافة إلى تهميش لغتها وثقافتها والاستخفاف بها، في سياق مرتبط بأهداف سياسية واقتصادية، بما في ذلك استغلال أراضيها للحصول على المعادن والموارد الطبيعية التي تزخر بها المنطقة.

وتشير التقديرات إلى أن هناك ما لا يقل عن 20 ألف شخص من أصول “سامية” في السويد وحدها، لكن لا يوجد إحصاء رسمي دقيق لعددهم، نظرا لأن إجراء إحصاء سكاني على أساس العرق مخالف للقانون في البلاد.

أما قرى “سامي” المعروفة باسم “سامبي” فقد تحولت الآن إلى كيانات تجارية تخضع إلى حد كبير لشروط تضعها الحكومة، والتي تحدد عدد حيوانات الرنة التي يسمح لكل قرية بامتلاكها، فضلا عن تحديد المناطق التي يمكن لهذه الحيوانات أن ترعى وتتجول فيها.

ويقول عضو برلمان شعب سامي، ستيفان مايكلسون، إن الحفاظ على نمط مستدام لتربية الرنة أصبح أكثر صعوبة مع مرور الوقت، مشيراً إلى التحديات المتزايدة التي تواجه الرعاة في ضمان بقاء الحيوانات على قيد الحياة خلال فصل الشتاء القاسي في منطقة القطب الشمالي، ووصولها بأمان إلى العام التالي.

ويشرف راعي الرنة، لارس ماركوس كومونين، من قرية غابنا، على قطيع يضم ما بين 2500 إلى 3000 رأس من الرنة، إلى جانب فريق مكون من 15 إلى 20 راعياً. وتعتمد عائلات هؤلاء الرعاة، التي يصل عددها الإجمالي إلى نحو 150 شخصاً، في معيشتها على العوائد المالية التي يوفرها هذا النشاط التجاري التقليدي.

ويؤكد كوماونن أن حيوان الرنة يمثل الركيزة الأساسية لثقافة الشعب السامي في السويد، موضحا أن جوانب مختلفة من حياتهم مرتبطة بهذا الحيوان، بدءا من الطعام، مرورا باللغة، ووصولا إلى المعرفة الموروثة عن الجبال. ويضيف أن حياة الشعب السامي تعتمد في المقام الأول على رعي الرنة، وأن اختفاء هذا النشاط لا يعني مجرد فقدان مصدر رزق، بل قد يؤدي أيضًا إلى اختفاء جانب أساسي من ثقافة وهوية الشعب السامي.


تغير المناخ…تحدي إضافي

يتسبب التغير المناخي في إلحاق أضرار جسيمة بالطرق التقليدية لتربية حيوانات الرنة، التي يعتمد عليها شعب سامي، في ظل التغيرات السريعة في الظروف المناخية في منطقة لابلاند السويدية، وما تشكله من تحديات إضافية أمام حيوانات الرنة ومربيها.

وقد أدى الاحتباس الحراري إلى تغير أنماط الطقس خلال فصل الشتاء في المنطقة، حيث غالبا ما يحل هطول الأمطار محل تساقط الثلوج، ويتحول هذا المطر مع انخفاض درجات الحرارة إلى طبقات من الجليد تغطي سطح الأرض، محاصرة نباتات الأشنة، التي تمثل المصدر الغذائي الرئيسي لحيوانات الرنة، تحت طبقة سميكة من الجليد.

وتمنع طبقات الجليد هذه حيوانات الرنة من الوصول إلى طعامها، مما يهدد قدرتها على الحصول على الكميات اللازمة من الطعام خلال أشهر الشتاء، ويزيد من صعوبة استمرار أساليب تربية الرنة التقليدية التي يعتمد عليها شعب سامي.

وقالت خبيرة تربية الرنة والأستاذة في الجامعة السويدية للعلوم الزراعية، آنا سكارين، إن هذه التغيرات المناخية تؤثر بشكل مباشر على قدرة الرنة على الوصول إلى مصادر غذائها الطبيعية، بعد أن أصبحت الظروف المناخية الشتوية أكثر تقلبا وصعوبة.

ولا تقتصر تداعيات التغير المناخي على فصل الشتاء، حيث تواجه حيوانات الرنة تحديات أخرى خلال فصل الصيف، مع ارتفاع درجات الحرارة في المناطق الجبلية إلى مستويات تصل إلى 30 درجة مئوية، مما يعيق قدرتها على الرعي بشكل كاف، ويمنعها من اكتساب الوزن اللازم لمساعدتها على البقاء على قيد الحياة في فصل الشتاء.

للمزيد : تابع خليجيون 24 ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى