تقارير

اكتئاب ما بعد العطلة: الأسباب والعلاج

كتبت: منى حمدان

بينما تحزم حقائبك مودعاً شواطئ البحر أو هدوء الجبال، وبينما تتلاشى رائحة القهوة في ذلك الفندق البعيد، يبدأ شعور غريب بالتسلل إلى صدرك. ضيق مفاجئ، فقدان للشهية تجاه العمل، ورغبة عارمة في البقاء تحت الأغطية للأبد.

أهلاً بك في “الجانب المظلم” من الاستجمام؛ أنت الآن في قبضة اكتئاب ما بعد العطلة.

ما هو اكتئاب ما بعد العطلة؟

يعتقد الكثيرون أن الإجازة هي الترياق السحري لكل ضغوط الحياة، لكن الحقيقة العلمية صادمة بعض الشيء. “متلازمة ما بعد العطلة” (Post-Vacation Blues) ليست مجرد حالة دلال أو تكاسل، بل هي اضطراب مزاجي ناتج عن التباين الحاد بين سقف الحرية العالي في الإجازة وبين الانضباط الصارم للروتين اليومي.

عندما نكون في عطلة، يفرز الدماغ كميات هائلة من الدوبامين والأندورفين نتيجة التجارب الجديدة والاسترخاء. وفور العودة للمكتب، يحدث “انكماش” كيميائي مفاجئ، مما يجعل الواقع يبدو باهتاً، ثقيلاً، وغير محتمل.

أعراض اكتئاب العودة من السفر

كيف تعرف أنك مصاب فعلاً بهذا الاكتئاب؟ راقب العلامات التالية:

  • الإرهاق المستمر: رغم أنك كنت “ترتاح” لأسبوعين، تشعر أن جسدك مثقل.
  • تشتت الانتباه: تجلس أمام شاشة الكمبيوتر لساعات دون إنجاز مهمة واحدة.
  • الحنين المرضي: قضاء ساعات في تقليب صور الرحلة والشعور بالغصة.
  • اضطرابات النوم: تجد صعوبة في العودة لضبط ساعتك البيولوجية.

الجانب المظلم للعطلات الطويلة

لماذا تتحول الإجازة الطويلة إلى فخ؟ يكمن السر في “الفجوة الزمنية”. كلما زادت مدة ابتعادك عن روتينك، زادت صعوبة إعادة التأقلم.

الإجازات الطويلة جداً تخلق واقعاً موازياً، حيث تنسى تماماً مسؤولياتك، مما يجعل الاصطدام بالواقع عند العودة يشبه “حادث سير” عاطفي.

بالإضافة إلى ذلك، تضعنا العطلات أمام تساؤلات وجودية: “هل أنا سعيد في وظيفتي حقاً؟”، “لماذا أعيش في هذا الزحام؟”، هذه التساؤلات، رغم أهميتها، قد تسبب قلقاً مزمناً إذا لم تُدار بحكمة.

كيف تتجاوز اكتئاب ما بعد العطلة؟ (دليل النجاة)

الخبر الجيد هو أن هذه الحالة مؤقتة، ويمكنك “خدع” دماغك للعودة للمسار الصحيح عبر خطوات ذكية:

  1. قاعدة “يوم الهبوط”

من أكبر الأخطاء التي نرتكبها هي العودة من السفر ليلة الأحد وبدء العمل صباح الإثنين. جسدك وعقلك يحتاجان إلى “منطقة عازلة”. حاول دائماً العودة قبل يومين من استئناف العمل لترتيب المنزل، غسل الملابس، والتصالح مع فكرة العودة.

  1. التدرج هو المفتاح

لا تحاول إنجاز مهام الشهر كله في أول يوم عمل. ابدأ بالمهام البسيطة، رتب بريدك الإلكتروني، وتحدث مع زملائك عن رحلتك. التفاعل الاجتماعي يخفف من وطأة الصدمة.

  1. التخطيط للرحلة القادمة

يؤكد علم النفس أن “لذة الانتظار” تضاهي لذة التجربة نفسها. ابدأ بالبحث عن وجهتك القادمة، حتى لو كانت رحلة قصيرة لنهاية الأسبوع. هذا يعطي عقلك شيئاً ليتطلع إليه بدلاً من الغرق في ذكريات الماضي.

  1. استعد عافيتك البدنية

الإجازات غالباً ما تشهد تجاوزات في الطعام والسهر. العودة لنظام غذائي متوازن وممارسة الرياضة تساعد في استعادة مستويات الطاقة الطبيعية وتقليل هرمونات التوتر.

نصائح ذهبية لعودة سعيدة للعمل

  • اجعل مكتبك مكاناً مريحاً: ضع تذكاراً بسيطاً من رحلتك على المكتب.
  • عطلة نهاية أسبوع ممتعة: لا تجعل أول عطلة بعد السفر مخصصة للتنظيف، بل اخرج للاستمتاع.
  • مارس الامتنان: بدلاً من التحسر على انتهاء الإجازة، اشكر الظروف التي سمحت لك بالذهاب أصلاً.

كلمة أخيرة: هل نحتاج لتغيير نظرتنا للعطلة؟

ربما يكمن الحل في عدم جعل “الإجازة” هي الوقت الوحيد الذي نعيش فيه فعلياً، إذا جعلنا حياتنا اليومية تتضمن لحظات صغيرة من المتعة والاسترخاء، لن نحتاج للهروب الكبير الذي ينتهي باكتئاب حاد.

تذكر دائماً، الرحلة لم تنتهِ لأنك عدت للمنزل، بل هي مجرد استراحة لجمع الطاقة لخوض مغامرات جديدة في “واقعك” الذي تبنيه كل يوم.

إليك عزيزي القارئ خطة “الهبوط الآمن”؛ وهي جدول زمني مقسم لأول 5 أيام عمل بعد إجازة طويلة، مصمم خصيصاً لخداع دماغك ومنع الإصابة بالاحتراق النفسي المفاجئ:

اليوم الأول: يوم “الاستكشاف والفرز”

المهمة الأساسية: الفرز فقط، لا التنفيذ.

الخطة: خصص أول ساعتين لفرز رسائل البريد الإلكتروني (Inbox Zero). صنفها إلى: (عاجل، يمكن تأجيله، للعلم فقط).

نصيحة ذهبية: لا تفتح ملفات معقدة اليوم. اكتفِ باستعادة إيقاع المكتب والدردشة مع الزملاء عما فاتك.

اليوم الثاني: يوم “الانتصارات الصغيرة”

المهمة الأساسية: إنجاز المهام التي تستغرق أقل من 10 دقائق.

الخطة: ابدأ بالمهام الإدارية الروتينية. إنجاز هذه الأشياء الصغيرة سيعطي دماغك جرعة “دوبامين” سريعة تشعرك بأنك ما زلت مسيطراً.

نصيحة ذهبية: غادر العمل في موعدك تماماً، لا تفرط في العمل لتعويض ما فاتك الآن.

اليوم الثالث: يوم “العمل العميق”

المهمة الأساسية: العودة للمشاريع الكبيرة.

الخطة: الآن وبعد أن استعدت هدوءك، ابدأ في أول مهمة تتطلب تركيزاً عالياً. خصص لها 90 دقيقة من العمل المتواصل.

نصيحة ذهبية: استخدم تقنية “البومودورو” (25 دقيقة عمل – 5 دقائق راحة) لكسر حاجز الملل.

اليوم الرابع: يوم “التواصل والتخطيط”

المهمة الأساسية: الاجتماعات الضرورية.

الخطة: حدد اجتماعاتك في هذا اليوم وليس في اليوم الأول. ستكون لديك صورة واضحة عما يجب مناقشته بعد أن فهمت مجريات الأمور في الأيام السابقة.

اليوم الخامس: يوم “المكافأة”

المهمة الأساسية: إنهاء الأسبوع وبدء التطلع للمستقبل.

الخطة: اغلق ملفاتك مبكراً، وخطط لـ “خروجة” أو نشاط ممتع في المساء.

نصيحة ذهبية: ابدأ بالبحث عن فكرة للرحلة القادمة (حتى لو كانت بعد 6 أشهر).

تذكر دائماً: العمل وُجد لنعيش، ولم نُخلق لنعمل فقط. العودة ببطء ليست تكاسلاً، بل هي ذكاء عاطفي للحفاظ على صحتك النفسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى