مقالات

من يافا إلى موسكو: سيرة رجل حمل فلسطين إلى ساحات القتال وقاعات القرار

رامي الشاعر

في زمنٍ كانت فيه فلسطين تُقاتَل بالسلاح وتُدافَع عنها بالكلمة في آنٍ واحد، برز رجال جمعوا بين البندقية والفكرة، وبين الميدان والمنبر الدولي. وفي الذكرى الثالثة والأربعين لرحيل العميد الركن الدكتور محمد إبراهيم الشاعر (أبو وفيق)، لا تستعاد سيرة رجلٍ عابر في التاريخ، بل تُستحضر مرحلة كاملة من النضال الفلسطيني والعربي، كان فيها الدفاع عن فلسطين فعلاً سياسياً وعسكرياً وأخلاقياً متكاملاً. رجلٌ خرج من يافا إلى ساحات القتال، ومن ميادين الحرب إلى قاعات الدبلوماسية الدولية، ليكون أول سفير لدولة فلسطين لدى الإتحاد السوفيتي، شاهداً على زمنٍ كانت فيه القضية الفلسطينية حاضرة في مراكز القرار العالمي، ومسنودة برجال آمنوا بأن الإستقلال لا يُمنح، بل يُنتزع بالوعي والتضحية والعمل المتواصل. وبهذه المناسبة كتب المستشار والمقرب من دوائر صنع القرار للسياسة الخارجية الروسية بمناسبة الذكرى الثالثة والأربعين لرحيل والده الدكتور محمد إبراهيم الشاعر (أبو وفيق) والسفير الأول لدولة فلسطين لدى الأمم المتحدة.

يصادف اليوم الذكرى الثالثة والأربعين لرحيل الدكتور محمد إبراهيم الشاعر (أبو وفيق) أول سفير لدولة فلسطين لدى الإتحاد السوفيتي سابقا. ولد محمد إبراهيم عبد الخالق الشاعر في مدينة يافا في العام 1928 لأسرة معروفة بحبها ورعايتها للعلم، فجده عبد الخالق الشاعر هو أول من أسس مدرسة نظامية لتعليم اللغة العربية وآدابها في يافا عام 1860.

أنهى محمد الشاعر دراسته الثانوية في المدرسة الإبراهيمية في القدس عام 1946، ثم التحق بجامعة الإسكندرية لدراسة الهندسة المعمارية، إلا أنه ترك دراسته والتحق بجيش الإنقاذ ضمن صفوف الثوار المدافعين عن عروبة فلسطين أمام الهجمات الصهيونية، فكان في عداد الفوج الأول من المقاتلين الذين تدربوا على أيدي المتطوعين اليوغوسلافيين الذين قدموا إلى مدينة يافا في العام 1947، وفي نفس العام تم ترشيحه من قبل اللجنة القومية في يافا للدراسة العسكرية في سورية، حيث التحق بالكلية الحربية السورية.

ومع حلول نكبة العام 1948، بقي محمد الشاعر في الجيش السوري، حيث تدرج فيه حتى وصل إلى رتبة العميد الركن، بعد أن اجتاز عدة دورات عسكرية، بعدها التحق بدورة أركان الحرب، ليحصل على درجة الماجستير في العلوم العسكرية.

لقد أمضى الضابط/ محمد الشاعر فترة خمس سنوات لاجئاً سياسياً خارج سورية، درس خلالها الإقتصاد السياسي في جامعة صوفيا في بلغاريا.

في الوقت نفسه، التحقت زوجته وفيقة حمدي الشاعر، من مواليد يافا أيضاً، للدراسة في جامعة صوفيا، لتحصل على دبلوم الأدب الروسي، وتصبح ثاني إمرأة عربية تحصل على هذه المرتبة العلمية الرفيعة في التخصص بعد كلثوم عودة، التي يتواجد ضريحها في مقبرة العظماء بالعاصمة الروسية موسكو. أما أم وفيق، والتي كانت صديقة شخصية لأول رائدة فضاء في العالم فالنتينا تيريشكوفا، فقد توفيت في موسكو، ودفنت في عمّان إلى جانب رفيق عمرها أبو وفيق.

وحتى اليوم، لا زالت الخارجية الروسية تشهد أن السفير الفلسطيني وزوجته كانا من أبرز الناشطين الدبلوماسيين، حيث تكللت أنشطتهم بأرفع مراتب النجاح في أداء مهمتهم، وترسيخ العلاقات السوفيتية العربية.

كما شارك الضابط/ محمد الشاعر في تأسيس جيش التحرير الفلسطيني عند إنشائه في سورية بعد تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964. وبعد حرب العام 1967، تم إستدعاؤه للخدمة في الجيش العربي السوري من جديد، وتسليمه مؤسسة التحصينات العسكرية لبناء وتعزيز الجبهة لمواجهة إسرائيل، وبعدها إنشاء مؤسسة الإنشاءات العسكرية التي تقوم بتنفيذ الإنشاءات العسكرية التابعة لوزارة الدفاع السورية، والتي ظل يشرف عليها لسنوات طويلة، فكانت أفضل مؤسسة في قطاع الإنشاءات في سورية، وتميزت في كل ما قامت به من أعمال إنشائية ضخمة.

وقد أصبح العميد الركن/ محمد الشاعر رئيساً لإتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين فرع سورية، وله عدة مؤلفات سياسية وعسكرية نذكر منها:

– الألغام – 1950

– الألغام والمصائد والمتفجرات – 1951

– الهندسة العسكرية المصورة – 1954

– برمجة الإقتصاد الوطني في الجمهورية العربية المتحدة – 1965

– التخطيط الإقتصادي والعسكري في إسرائيل – 1966

– الحرب الفدائية في فلسطين على ضوء تجارب الشعوب في قتال العصابات، الطبعة الأولى – 1967

– تطور القوى العربية الأمامية إلى وحدات إقتصادية دفاعية – 1968

– نحن والعدو والعمل الفدائي – 1969

– جغرافية فلسطين العسكرية، الطبعة الأولى – 1969

– الإقتصاد الحربي

– نظرية الإحتمالات في فن السياسة والحرب وكُتب أخرى.

وكان العميد الركن/ محمد إبراهيم الشاعر يحمل درجة الدكتوراه في العلوم التاريخية من أكاديمية التاريخ العسكري في موسكو، كما كان عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني.

وتم إفتتاح أول ممثلية لمنظمة التحرير الفلسطينية في العاصمة موسكو في العام 1974، حيث عيّن العميد الركن الدكتور/ محمد الشاعر مدير الممثلية في الإتحاد السوفيتي في العام 1976، وبقي في هذا المنصب حتى العام 1983، بعد أن تحوَلت الممثلية إلى بعثة دبلوماسية فلسطينية، فأصبح حينها سفيراً لفلسطين لدى الإتحاد السوفيتي.إقرأ أيضاً

لقد كان العميد الركن الدكتور/ محمد الشاعر عسكرياً رفيعاً وسياسياً صلباً في صفوف النضال الفلسطيني والعربي ضد الإستعمار والإحتلال الصهيوني، وهو أول من أسس معسكر للتدريب على أصول الحرب الفدائية في لبنان بمدينة “كيفون”.

ساهم العميد الركن الدكتور/ محمد الشاعر، من خلال موقعه في موسكو، في توثيق عرى الصداقة بين الإتحاد السوفيتي ومنظمة التحرير الفلسطينية.

وعلى الرغم من معاناته من مرض عضال ألمّ به في موسكو لفترة طويلة، إلا أنه كان يصرّ على متابعة مهماته رغم مشقات العمل الدبلوماسي والسياسي المنوطة به.

وقبل رحيله بأيام، كتب رسالته الأخيرة بخط يده، والتي تضمنت وصيته التي جاء فيها:

“أعرف أنني قد أعيش يوماً أو يومين، هذا الإحساس صعب جداً لكنه لا يؤلمني. يؤلمني أنني كنت أتمنى أن أنتهي في ساحة المعركة مقاتلاً في سبيل أرضنا الحبيبة فلسطين، في سبيل أن يعم السلام في العالم.

إن فلسطين لنا، وستبقى لنا. ويوم العودة قريب، وهذا يريحني جداً.

أتمنى لكم التوفيق في أداء هذه الرسالة الخالدة، وأرجو أن أدفن في أقرب قرية لفلسطين، على أن أنقل بعدها إلى فلسطين، وإنها لثورة حتى النصر.

أخوكم محمد إبراهيم الشاعر”.

وإنتقل العميد الركن الدكتور/ محمد إبراهيم الشاعر إلى رحمة الله تعالى في بداية شهر كانون الثاني من العام 1983، ودفن في عمان.

وقد نعت منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح إلى جماهير شعبنا الفلسطيني والأمة العربية العميد الركن الدكتور/ محمد إبراهيم الشاعر (أبو وفيق) أول سفير لفلسطين في الإتحاد السوفيتي بالكلمات التالية:

“عهداً لك يا أبا وفيق أن فلسطين لنا وستظل لنا”.

رحم الله القائد العسكري الكبير العميد الركن الدكتور/ محمد الشاعر، وأسكنه فسيح جنّاته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى