أميركا تعيد إحياء صناعة الوقود النووي لتعزيز أمن الطاقة

وأعلن وزير الطاقة الأميركي كريس رايت خلال زيارته إلى باريس الأسبوع الماضي عن خطط طموحة تهدف إلى تنشيط إمدادات الوقود النووي في الولايات المتحدة.
وتشمل هذه الخطط إقامة شراكة مع شركة “يورانو” الفرنسية للمساهمة في إنشاء منشأة جديدة لتخصيب اليورانيوم في ولاية تينيسي. إلا أن تنفيذ هذا المشروع بالسرعة المطلوبة لا يزال يواجه تحديات كبيرة أبرزها عدم وجود تنسيق كاف بين الجهات المعنية، مما يعيق تسريع وتيرة العمل.
وفي حال نجاح هذا المشروع، فإنه سيبعث برسالة طمأنينة قوية إلى مطوري المفاعلات النووية المتقدمة، مفادها أن هذه المفاعلات لن تتعرض للتعطيل عند بدء تشغيلها بسبب نقص الوقود. كما يمكن أن يساهم في توجيه الدعم السياسي والاقتصادي لمعالجة جدل قديم أثر منذ فترة طويلة على الصناعة النووية، يتمحور حول النفايات النووية.
قبل عدة عقود، كانت الولايات المتحدة رائدة العالم في إنتاج اليورانيوم المخصب، الذي استخدمته في تشغيل مفاعلاتها النووية. إلا أن هذه الصناعة شهدت تراجعا ملحوظا لأسباب سياسية مختلفة، مما أدى إلى تخلي واشنطن تدريجيا عن سيطرتها على إمدادات الوقود النووي إلى دول أخرى.
وبعد انتهاء الحرب الباردة، أصبحت الولايات المتحدة تعتمد بشكل متزايد على روسيا لتزويدها باليورانيوم المخصب اللازم لتشغيل مفاعلاتها، إلى أن حظر الكونجرس الأمريكي عام 2024 استيراد هذا الوقود من موسكو.
الوضع هش
ورغم أن هذا القرار يبدو منطقيا من الناحية الأمنية، إلا أنه ترك سوق الطاقة النووية الأمريكية في وضع هش وضعيف. ومما يزيد الوضع تفاقماً أن الولايات المتحدة لا تملك سوى منشأة تجارية واحدة للتخصيب، في حين أن الشركة التي تديرها تتخذ من المملكة المتحدة مقراً لها، وهو ما يعكس سيطرة وطنية محدودة على هذا القطاع الحيوي.
إضافة إلى ذلك، هناك شركة سنتروس، التي كانت سابقا تحت إدارة الحكومة الأمريكية، وهي قادرة على إنتاج نوع محدد من اليورانيوم عالي التخصيب اللازم لتشغيل المفاعلات النووية المتقدمة، لكن قدرتها الإنتاجية لا تزال محدودة، وغير كافية لتلبية الطلب المتوقع.
قضية استراتيجية
ولذلك فإن إعادة بناء قدرات الولايات المتحدة في مجال تخصيب اليورانيوم التجاري يمثل قضية استراتيجية بالغة الأهمية، خاصة في ظل الطلب المتزايد على الطاقة النووية وتزايد عدد المفاعلات العاملة لإنتاج الكهرباء. وقد اجتذبت مشاريع المفاعلات المتقدمة والمبتكرة استثمارات بمليارات الدولارات، بما في ذلك استثمارات من شركات التكنولوجيا الكبرى مثل جوجل وأمازون. وتسعى هذه الشركات إلى تأمين مصادر طاقة موثوقة لدعم الطفرة المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي الذي يتطلب قدرات كهربائية هائلة ومستقرة.
ويبدو أن تحرك الوزير رايت لطلب المساعدة من فرنسا هو خطوة متعمدة، حيث تتمتع باريس بخبرة كبيرة في تكنولوجيا إعادة معالجة الوقود النووي المستهلك وتحويله إلى وقود صالح للاستخدام مرة أخرى. وخلافا للاعتقاد السائد، فإن النفايات النووية ليست عديمة القيمة. وحتى بعد بقائها لسنوات داخل المفاعلات، فإنها تحتفظ بحوالي 90% من طاقتها الكامنة.
وقد تمكنت منشآت أورانو من إعادة تدوير ما يقرب من 40 ألف طن متري من النفايات منذ بدء العمليات، وهو ما يعادل حوالي نصف كمية الوقود المستخدمة في المفاعلات النووية المجمعة في الولايات المتحدة.
دور السياسة
لكن السياسة لعبت دورا معيقا في الماضي. وكان الرئيس الأمريكي الراحل جيمي كارتر قد حظر إعادة معالجة الوقود النووي خوفا من انتشار الأسلحة النووية. وفي وقت لاحق، تراجع الرئيس الراحل رونالد ريغان عن هذا القرار، ولكن إعادة التدوير لم تبدأ قط، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى اعتبارات اقتصادية، حيث رأت الشركات النووية أن استخدام اليورانيوم الجديد أكثر جدوى من إعادة تدوير الوقود المستهلك.
واليوم، ومع الزيادة الكبيرة في الطلب العالمي على اليورانيوم، بدأت الشركات في إعادة النظر في جدوى إعادة تدوير الوقود النووي. وفي العام الماضي، أعلنت شركة Oklo الناشئة عن خطط لإنشاء أول منشأة خاصة لإعادة تدوير النفايات النووية في الولايات المتحدة، في خطوة قد تمثل تحولًا مهمًا في مسار الصناعة.
ومع ذلك، حتى لو نجحت جهود إعادة التدوير، فإن الولايات المتحدة ستظل بحاجة إلى مصدر مستقر لليورانيوم الخام. ويمكن لكندا، ثاني أكبر منتج لليورانيوم في العالم، أن تلعب دورا محوريا في تلبية احتياجات المفاعلات الأميركية. لكن التوترات السياسية، بما في ذلك مواقف الرئيس دونالد ترامب وتصريحاته الصارمة تجاه الجارة الشمالية، زادت من تعقيد هذه القضية.
عن واشنطن بوست
خطوة إيجابية
وتمثل مبادرة الإدارة الأميركية لإعادة تأهيل موضوع الوقود النووي خطوة إيجابية تعكس وعياً بأهمية هذا القطاع الاستراتيجي. وبدون سلسلة إمدادات وقود مستقرة ومستدامة، قد يتبدد الوعد بالابتكار النووي، وقد تتضاءل الآمال في أن تكون الطاقة النووية حجر الزاوية في مستقبل الطاقة في الولايات المتحدة.
. وتتمتع فرنسا بخبرة كبيرة في مجال تكنولوجيا إعادة معالجة الوقود النووي المستهلك وتحويله إلى وقود صالح للاستخدام مرة أخرى.
للمزيد : تابع خليجيون 24 ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر



