اختطاف مادورو.. هل يكون المسمار الأخير في نعش الولايات المتحدة بوضعها الراهن

رامي الشاعر
طالب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بالإفراج الفوري عن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وإعادته إلى منصبه رئيسا لفنزويلا.
كذلك أعربت الخارجية الصينية عن قلقها الشديد إزاء اختطاف الولايات المتحدة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته وطالبت واشنطن بضمان سلامتهما وإطلاق سراحهما فورا. كما أكد المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا خلال اجتماع لمجلس الأمن الدولي حول الوضع في فنزويلا ان روسيا تدين العمل العدواني الدولي الذي قامت به الولايات المتحدة ضد فنزويلا.
وتابع أن العدوان الأمريكي المسلح على فنزويلا والذي رافقه مقتل عشرات المواطنين الفنزويليين والكوبيين يعد “نذيرا لعودة عهد الفوضى وانعدام القانون والهيمنة الأمريكية بالقوة، وهي أمور لا تزال تعاني عشرات الدول في مناطق مختلفة من العالم من تداعياتها”.
نتذكر جميعا الخطاب الشهير لوزير الدفاع الأمريكي كولين باول أمام مجلس الأمن الدولي عام 2003 بينما عرض العينات الوهمية لما قال حينها إنه “الجمرة الخبيثة” كدليل على امتلاك العراق “أسلحة دمار شامل”، وبناء عليه قامت الولايات المتحدة قرارها المنفرد خارج شرعية الأمم المتحدة بغزو العراق.
حينها كان باول وزيرا للدفاع، أما اليوم لم يخرج علينا وزير “الحرب” بيت هيغسيث حتى بأي دليل يسوغ للولايات المتحدة العدوان على دولة مجاورة وانتزاع رئيسها وزوجته انتزاعا بعملية استخباراتية محكمة، تعود بنا إلى زمن رعاة البقر الأمريكيين.
وبينما قد تبدو العملية المحكمة “انتصارا” أمريكيا، بوصف الولايات المتحدة الدولة الأقوى المهيمنة على مصائر البلاد والعباد، تبطش أو ترضى متى تشاء، وتمنح وتمنع وتفرض الحصار والعقوبات متى تشاء، وتفرض إرادتها بمختلف وسائل الضغط والإملاء، بالحديد أو النار أو الثورات الملونة أو الانقلابات العسكرية أو حتى الاختطاف كما رأينا والاغتيال خارج أي قانون لا سمح الله. برغم كل ذلك إلا أن الصورة الحقيقية لما يحدث تعكس ضعفا واهتزازا أكثر من القوة والقدرة.
فالسيطرة على بلد يبلغ تعداده 30 مليونا أو يزيد يعني ببساطة البحث عن “الشعب”، في محاولة للتعبير عن إرادة هذا الشعب، والتي يدعي الأمريكيون ومعهم المعارضة الفنزويلية أن مادورو لا يمثلها، لكنه “يقمع” هذا الشعب، و”ينتهك” حقوقه. فمن إذن وكيف ومتى وبأي أدوات سيتم البحث عن هذا “الشعب”؟ كيف سيتم تنظيم انتخابات؟ وبأي شرعية؟ وفي إطار أي دستور؟ ومن سيراقب على العملية الانتخابية؟ ومن سيقرر نزاهة هذه الانتخابات، بينما الولايات المتحدة نفسها، بشركاتها واستثماراتها وتعارض مصالحها مع مصالح الصين (المستورد لـ 80% من النفط الفنزويلي)، ومع روسيا المرتبطة مع فنزويلا بعلاقات وثيقة بما في ذلك صفقات توريد للأسلحة الروسية المتقدمة، ومع إيران وغيرها. بمعنى أنه من مصلحة الولايات المتحدة وضع حاكم دمية للبلاد ينفذ ما يوكل إليه.
لقد أدت ديلسي رودريغيز رسميا يوم أمس اليمين الدستورية كقائمة بأعمال رئيس جمهورية فنزويلا البوليفارية في فعالية أقيمت أمام الجمعية الوطنية (البرلمان) التي يرأسها شقيقها الطبيب النفسي خورخي رودريغيز غوميز منذ 2021.
وأعلنت رودريغيز، ابنة خورخي أنطونيو رودريغيز الماركسي الفنزويلي مؤسس الرابطة الاشتراكية في البلاد والذي اغتيل عام 1976 على يد مديرية الاستخبارات الفنزويلية لدوره القيادي في اختطاف المدير التنفيذي الأمريكي ويليام نيهوس، أعلنت أن نيكولاس مادورو هو الرئيس الشرعي لفنزويلا، وأنها لا تعتزم جعل فنزويلا “مستعمرة أمريكية”.
بطبيعة الحال، وكما هو متوقع، نزل متظاهرون إلى الشوارع الفنزويلية تعبيرا عن رفضهم لانتهاك سيادتهم وانتهاك دستورهم واختطاف رئيسهم، كما أتوقع أن تكون مظاهرات مقابلة قد نزلت تعبيرا عن “فرحتهم” برحيل “الدكتاتور” بأياد استعمارية أجنبية، وتعليقا على العدوان الأمريكي واختطاف الرئيس الفنزويلي، صرحت زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو، التي قال ترامب إنها “لا تحظى باحترام ودعم الشعب الفنزويلي”، بأن “العملية الأمريكية في فنزويلا واحتجاز رئيسها تثبت أن الرئيس دونالد ترامب استحق جائزة نوبل”.
وخلال الأيام القليلة الماضية استمعنا إلى افتراضات متسرعة وتصريحات رعناء بأن تلك العملية هي “عودة” أمريكية لبسط السيطرة على أمريكا اللاتينية، كذلك لمحنا ما يمكن أن يكون رغبة دفينة لدى بعض السياسيين الأمريكيين من عينة وزير الخارجية الأمريكي من أصول كوبية ماركو روبيو في وضع كوبا على قائمة الأهداف الأمريكية المستقبلية: “تشكل الحكومة الكوبية مشكلة كبيرة وهي في ورطة كبيرة ولا أظن أن من الخفي أننا لسنا من أشد المعجبين بالنظام الكوبي”. كما وصف روبيو، في مؤتمر صحفي بمنتجع مار-ا-لاغو بفلوريدا، من يديرون كوبا بأنهم “رجال غير أكفاء ومصابون بالشيخوخة”، وادعى أن حراس مادورو و”وكالة التجسس بأكملها” في فنزويلا “كانت مليئة بالكوبيين”. ورأيي المتواضع أن افتراض عدم وجود مقاومة لتلك العملية، وخضوع شعوب أمريكا اللاتينية، صاحبة الخبرة الكبيرة والتاريخ الطويل في حرب العصابات مع الولايات المتحدة، للهيمنة الأمريكية، هو وهم كبير وافتراض خاطئ تماما، لأنه يغفل تاريخ القارة في صراعها المستمر ضد واشنطن وبطشها ونهبها ونهمها المستمر لموارد الطاقة والثروة.
أما حديث الرئيس الأمريكي عن المخدرات والاستبداد فإنه لا يصمد أمام أي تحقيق نزيه في الجهود التي بذلها مادورو وإدارته في مكافحة مافيا المخدرات المرتبطة في أحيان كثيرة مع عصابات التهريب داخل الولايات المتحدة نفسها. وليس بعيد عن الأذهان تصريحات الساسة الأمريكيين في واشنطن بدعمهم للاستبداد والأنظمة العسكرية وحتى الإرهاب والتنظيمات الإرهابية العابرة للقارات، بداية من أفغانستان وانتهاء بسوريا والعراق. كما أن الذرائع الأمريكية المختلفة، لم تصمد أمام المطامع المعلنة والوقحة بالسيطرة على الثروات النفطية والمعدنية الفنزويلية الهائلة (تمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفط في العالم بما يعادل 20% من ثروات العالم).
لقد بلغ معدل نمو الاقتصاد الصيني عام 2024 زهاء 5%، بينما بلغ معدل نمو الاقتصاد الأمريكي لنفس الفترة 2.8%، وبلغ الناتج المحلي الإجمالي الصيني نحو 20 تريليون دولار والأمريكي نحو 30 تريليون دولار. وهنا مربط الفرس، فإغلاق 5% من إجمالي واردات الصين (الصين تستحوذ على 85% من صادرات النفط الفنزويلي) من النفط، والأهم إغلاق آفاق التعاون والاستثمار الصيني في البلاد سيؤثر سلبا على الصين، العدو الرئيسي والوجودي للولايات المتحدة.
أعلن الرئيس الأمريكي جهارا نهارا على مسمع ومرأى من “المجتمع الدولي” أن الولايات المتحدة “ستدير فنزويلا”، وأن الشركات الأمريكية “ستعيد بناء قطاع النفط في البلاد”، و”ستبيع جزءا كبيرا منه للمشترين العالميين، بما يشمل عملاء حاليين وجددا”.
ما وقع منذ أيام في فنزويلا هو واقعة سطو مسلح دولية متكاملة الأركان، محاولة من الإدارة الأمريكية مواجهة الأزمات الداخلية والتراجع الأمريكي الاقتصادي والسياسي والعسكري المتسارع من خلال قفزات مظلية وإنزالات انقلابية، على أمل أن يؤدي ذلك “العرض” Show الأمريكي إلى ذر الرماد في العيون، والإيهام بقوة وهيمنة وسيطرة الإمبراطورية الأمريكية التي تنهار أمام أعيننا، وفقا لحقائق التاريخ الموضوعية.
ما نراه أمامنا اليوم هو التنفيذ العملي لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة التي تحمل عنوانا رئيسيا هو الهيمنة على نصف الكرة الغربي وضمان تأمينه وتأمين موارده لصالح الولايات المتحدة، وإعادة التموضع بالتخلص من بعض “أعباء الناتو” في أوروبا، وعكس اتجاه العولمة.
هل يعني ذلك تنازل الولايات المتحدة عن كونها قوة عظمى عالمية، وشرطي العالم، والعودة إلى “عقيدة مونرو” (1823) Monroe Doctrine، التي تنص على عدم تدخل القوى الأوروبية في شؤون دول نصف الكرة الغربي، مقابل التزام أمريكا بعدم التدخل في شؤون أوروبا؟ لا أتوقع ذلك، لأن الولايات المتحدة لا تزال تعلن وتقوم بإجراءات تخص غرينلاند والقطب الشمالي، بما تحمله هذه المنطقة المهمة من موارد وآفاق للاستثمار، كما توسع الولايات المتحدة من قواعدها في آسيا، وتؤسس لتوازنات أمنية جديدة في المنطقة.
لن تنزلق القوى الكبرى إلى مواجهات كبرى مباشرة، وأعني هنا روسيا والصين والهند، ويكفي على الولايات المتحدة أن تتعامل مع الأزمات المتصاعدة في ساحتها الخلفية، التي بدأت يوم 3 يناير بتلك المخاطرة الرعناء، التي تنذر بزعزعة استقرار مستدامة لبعض الوقت في الإقليم برمته وليس فنزويلا فحسب. وبإمكاننا القول إن فنزويلا بالنسبة لواشنطن لن تكون فيتنام جديدة، وإنما أفغانستان جديدة تخرج منها الولايات المتحدة خالية الوفاض بعد عشرين عاما، بانتصار لجماعات مسلحة تسمى “طالبان” وبسطها سيطرتها بعد عقدين من صراع أقوى قوة عسكرية على وجه الأرض.
إن الإمبراطوريات إنما تنهار بالضبط في لحظة التوسع والنشاط العسكري الحربي الأقصى لها، ذلك أن التوسع والتمدد يصبح في لحظة خائنة أكبر من قدرة المركز على الاستيعاب والهضم والسيطرة، وتصدير الأزمات للخارج في محاولة للبحث عن مزيد من الموارد، وافتعال الانقلابات والثورات الملونة واستنزاف الخصوم لا يعالج أزمات الداخل بقدر ما يعقدها ويزيد من تفسخ وتشرذم الجبهة الداخلية، والمنظومة الغربية بزعامة واشنطن، وصلت إلى أقصى توسع ممكن في العالم بأسره بعد توهم “النصر” على الاتحاد السوفيتي بتفككه، والعيش في وهم “القطب الواحد” زهاء ثلاثة عقود.
اختطاف مادورو ربما يكون أحد المسامير الأخيرة في نعش الولايات المتحدة، وربما النظام الرأسمالي برمته.




