
كتبت: منى حمدان
ألعاب الفيديو: من “مضيعة للوقت” إلى إمبراطورية اقتصادية ومنصة تعليمية.. هل يواجه شبابنا العربي الخطر؟
لم يعد “الجيمينج” مجرد ضغط على أزرار خلف شاشة ملونة في غرف مظلمة؛ لقد انتهى ذلك العصر تماماً.
نحن الآن أمام صناعة تتجاوز قيمتها السوقية مئات المليارات من الدولارات، حيث تحولت “وحدة التحكم” (Controller) من وسيلة لقتل وقت الفراغ إلى أداة لجمع الثروات، ومقعد لتعلم مهارات القرن الحادي والعشرين.

في هذا التقرير، نغوص في عالم ألعاب الفيديو الساحر، لنكشف كيف أصبحت مصدراً للدخل والتعلم، وفي الوقت ذاته، ندق ناقوس الخطر حول آثارها الجانبية في مجتمعاتنا العربية.
ألعاب الفيديو مصدر للدخل: هل تصبح “لاعباً” مليونيراً؟
إذا أخبرت والداك قبل عشر سنوات أنك ستجني آلاف الدولارات من لعب “فورتنايت” أو “ببجي”، لربما كانت الابتسامة الساخرة هي الرد الوحيد اليوم، الواقع يتحدث لغة الأرقام.
-
الرياضات الإلكترونية (Esports)
تحولت البطولات المحلية والعالمية إلى كرنفالات ضخمة بجوائز تصل إلى ملايين الدولارات.
شباب عرب، من السعودية ومصر والإمارات، باتوا يتصدرون منصات التتويج العالمية، ويوقعون عقوداً احترافية مع أندية كبرى بمرتبات شهرية ثابتة.
-
صناعة المحتوى والبث المباشر
منصات مثل “تويتش” و”يوتيوب” فتحت أبواب الرزق لآلاف الشباب.
من خلال استعراض مهاراتهم أو حتى تقديم محتوى كوميدي أثناء اللعب، أصبح “الجيمر” مؤثراً (Influencer) تلاحقه العلامات التجارية الكبرى للإعلانات، مما يحول الهواية إلى بيزنس متكامل.
كيف تحولت الألعاب إلى فصول دراسية ذكية؟
بعيداً عن الأرباح المادية، هناك “ربح معرفي” غير مسبوق.

الدراسات الحديثة تؤكد أن ألعاب الفيديو ليست مجرد تسلية، بل هي وسيلة تعليمية تفاعلية تتفوق أحياناً على المناهج التقليدية.
- تنمية التفكير الاستراتيجي: ألعاب مثل “Age of Empires” أو “Civilization” تعلم الشباب التخطيط طويل الأمد وإدارة الموارد.
- تعلم اللغات: لا يمكن إنكار دور الألعاب في تحسين اللغة الإنجليزية لدى الجيل الصاعد؛ فالتواصل مع لاعبين من مختلف أنحاء العالم يكسر حاجز الخوف من اللغة.
- البرمجة والإبداع: منصات مثل “Roblox” و “Minecraft” لم تعد مجرد ألعاب، بل بيئات برمجية تعلم الأطفال أساسيات التصميم الهندسي والمنطق البرمجي وهم في سن الزهور.
ألعاب الفيديو في العالم العربي: الوجه الآخر للعملة
على الرغم من هذا البريق، لا يمكننا إغماض العين عن التحديات الكبيرة التي تواجه مجتمعنا العربي تحديداً. فالاستهلاك غير الواعي لهذه التقنية أفرز مشاكل لا يمكن التغاضي عنها.

الإدمان الرقمي والعزلة الاجتماعية
في البيوت العربية التي تقدس الروابط الأسرية، أصبح “الخمول الاجتماعي” ظاهرة مقلقة.
يقضي المراهقون ساعات طوال خلف الشاشات، مما أدى إلى ضعف التواصل البصري والاجتماعي مع الأهل، واضطرابات في النوم تؤثر على التحصيل الدراسي.
الهوية الثقافية واللغة
تعاني الألعاب غالباً من فقر في المحتوى الذي يعكس قيمنا العربية.
يتبنى الشباب أحياناً سلوكيات، لغة، أو حتى أفكاراً غريبة عن مجتمعاتهم نتيجة الانغماس الكامل في عوالم افتراضية مصممة بعقليات غربية أو آسيوية، مما يخلق فجوة في الهوية.
المخاطر الصحية والمالية
من السمنة المفرطة وآلام الظهر إلى “فخاخ” القمار المقنع داخل الألعاب (ما يعرف بالـ Loot Boxes)، يجد الكثير من الشباب أنفسهم ينفقون مبالغ طائلة من أموال ذويهم للحصول على ميزات وهمية، وهو ما يجر البعض إلى مشاكل نفسية ومالية معقدة.
التوازن هو الحل: كيف نستفيد من “الجيمينج” وننجو من أضراره؟
إن محاربة ألعاب الفيديو هي معركة خاسرة، فالمنع ليس حلاً. الطريق الصحيح يكمن في “التربية الرقمية”.
يجب على الأسر العربية تحويل اللعب من نشاط انعزالي إلى نشاط تشاركي، ومراقبة المحتوى بذكاء وليس بـ “تسلط”.
إن استثمار الشغف في تعلم البرمجة أو دخول عالم صناعة الألعاب قد يحول الشاب العربي من مجرد مستهلك يضيع وقته، إلى مبدع يساهم في اقتصاد المستقبل.
الخلاصة: ألعاب الفيديو هي “سيف ذو حدين”؛ فإما أن تكون جسراً نحو الثروة والمعرفة، أو ثقباً أسود يلتهم العمر والصحة. الخيار ليس في اللعبة نفسها، بل في يد من يمسك بجهاز التحكم.




