شباب المكسيك يطالبون بالعمل والأمان والسكن وسط مستقبل غامض

رفرف علم القراصنة المصنوع من القش، المستوحى من المسلسل الياباني الشهير «ون بيس»، في تظاهرات قام بها شباب في المكسيك ينتمون إلى الجيل Z، المولود في أواخر الألفية الماضية. وبالنسبة لمحبي هذا العمل، فإن العلم ليس مجرد رمز ثقافي، بل يحمل دلالات تتعلق بالحرية والعدالة، وهما القيمتان اللتان يرى هذا الجيل في المكسيك أنهما غائبتان أو مهددتان في واقعه اليومي.
ووردت كلمة “الحرية” في أحاديث المشاركين في التظاهرة التي شهدتها العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي مؤخرا، كما كانت حاضرة في المقابلات التي أجرتها صحيفة “الباييس” مع 10 شبان وشابات. لكن هذا التعلق بالحرية يطرح سؤالا أساسيا: ما هي الحرية التي يبحث عنها هؤلاء الشباب؟
ورغم أن المعاني تختلف من شخص لآخر، إلا أن الحرية بالنسبة لمعظم أفراد هذا الجيل في المكسيك تتجسد في أمور ملموسة تتعلق بالعمل والتعليم والصحة العقلية، بالإضافة إلى توفر وسائل النقل العام الفعالة، والسكن الملائم، والشعور الحقيقي بالأمان. وهذه العناصر مجتمعة هي ما يمنحهم الشعور بالاستقرار والطمأنينة في حياتهم اليومية.
مفارقة ملفتة للنظر
وفي أقل من أسبوع، شهدت مكسيكو سيتي تظاهرتين للشباب، وصفت إحداهما بأنها أكثر نجاحا من الأخرى، مع التركيز على استهداف الفئة العمرية الشابة بين 15 و28 عاما. إلا أن الواقع على الأرض كشف عن مفارقة صارخة، إذ أن أغلب المشاركين كانوا فوق سن الثلاثين.
وبحسب آخر تعداد سكاني أجري عام 2020، وبتوقعات الأمم المتحدة، يبلغ عدد أفراد الجيل Z في المكسيك نحو 38 مليون نسمة، أي ما يقارب ربع السكان.
ولفهم أسباب الاحتجاجات، أجرت صحيفة الباييس مقابلات مع 10 شباب تتراوح أعمارهم بين 16 و26 عامًا، طلابًا وعمالًا يقيمون في مناطق مختلفة من مكسيكو سيتي وولاية إيدوميكس المحيطة بها، لاستكشاف مخاوفهم ومشاعرهم تجاه البلد الذي يعيشون فيه.
وتباينت التجارب الشخصية لهؤلاء الشباب بشكل واضح، إذ يضطر بعضهم إلى قضاء ما يصل إلى ثلاث ساعات يوميا في وسائل النقل العام، بينما يعاني البعض الآخر من عمل غير مستقر أو مؤقت. يشعر بعض الأشخاص بالقلق والارتباك عند اختيار المسار الوظيفي الذي يرضيهم، بينما يشعر البعض الآخر بالإحباط بسبب عدم قدرتهم على العثور على عمل في المقام الأول.
المشاكل الشائعة
ورغم هذا التفاوت، فإنهم يتقاسمون قائمة مشتركة من المشاكل التي أصبحت سمة للشباب المكسيكي اليوم، وأبرزها هشاشة سوق العمل، واستحالة امتلاك منزل، وانعدام الشعور بالأمان في بلد يعاني من ارتفاع معدلات العنف، فضلا عن فقدان الثقة في السياسيين.
وتظهر بينهما اختلافات أيديولوجية محدودة. وصنف المشاركون في التظاهرة الثانية أنفسهم ضمن الوسط السياسي، فيما وصف الرافضون لها توجهاتهم بأنها أقرب إلى اليسار، فيما أكدوا عدم انتمائهم لأي حزب سياسي.
وعلى مستوى الاهتمام بالشأن العام، يحاول بعضهم، مثل برونو تريجو البالغ من العمر 17 عامًا، متابعة الأخبار، بينما يعترف آخرون، مثل خافيير (17 عامًا أيضًا)، بأن نظرتهم للعالم تتشكل بالكامل تقريبًا من خلال منصة تيك توك. لكن الجميع متفقون على أنهم يصلون إلى مرحلة البلوغ في ظروف أكثر تعقيدا وصعوبة مما واجهته الأجيال السابقة.
شهادة جامعية
حصل نحو 70% من الشباب المكسيكي على مؤهلات تعليمية أعلى من آبائهم، لكن هذه النسبة تستمر في الانخفاض كل عامين، وفقا لمركز إسبينوزا إغليسياس للدراسات. شملت المقابلات التي أجرتها صحيفة الباييس طلابًا جامعيين مثل كارلا أرويو (21 عامًا)، والدالاي ليديسما (24 عامًا)، وآرون موراليس (20 عامًا)، وأليك بينلازا (20 عامًا)، وإيميليو (20 عامًا).
وهم يعزون تراجع قيمة التعليم إلى الاقتناع المتزايد بأن الشهادة الجامعية لم تعد تضمن مستقبلا آمنا. تقول ليديسما بحزن واضح: “لا أرى مستقبلاً مشرقاً. نحن جيل بلا فرص”. أما موراليس فيبدي قلقه قائلا: «أعلم أن مجال دراستي لا يدر دخلا كافيا، ولا أعرف ماذا سأفعل بعد التخرج».
البطالة
ويسود اليأس نظرة هؤلاء الشباب إلى مستقبلهم المهني والاقتصادي الغامض في ظل ارتفاع معدل البطالة بين الشباب في سن العمل، خاصة في الفئة العمرية ما بين 20 و29 عاما، وهي الأعلى مقارنة ببقية الفئات العمرية في المكسيك.
ويلخص ليديسما هذا الواقع بالقول: “لن أتمكن أبدا من شراء سيارة أو منزل. نحن نفكر في الاستقلال، ولكن لا يمكننا أن نتصور مستقبلا دون مسكن خاص”.
ولا تقتصر المعاناة على الحصول على عمل فحسب، بل تمتد إلى ظروف العمل نفسها.
وتضيف ليديسما بأسف أنها أصيبت بالاكتئاب أثناء العمل قبل الدراسة، وأن ضغوط العمل زادت حالتها سوءا، لأن الإنتاج مطلوب بغض النظر عن الحالة النفسية، معتبرة أن هذا الواقع قد يستمر طوال حياتها دون أي أمل في التقاعد.
أدنى الدخل
ويعتبر أفراد الجيل Z هم أصحاب الدخل الأدنى بين القوى العاملة في المكسيك، حيث تتراوح رواتبهم بين 3000 بيزو (حوالي 163 دولارًا) و9000 بيزو (حوالي 490 دولارًا). ورغم أن السن القانوني للعمل يبدأ عند 15 عاما، فإن العمل غير الرسمي يسهم في جلب الأطفال والمراهقين إلى سوق العمل، في حين تحصل النساء والفتيات من جميع الأعمار على أجور أقل من أجور الرجال.
وتؤكد أنجليكا أوتشوا (26 عاما) هذه الصورة القاتمة من خلال تجربتها الشخصية. وعلى الرغم من حصولها على شهادة في العلاقات الدولية، إلا أنها كانت تبحث عن عمل منذ أشهر. وتقول: “أقوم بتوفير المال لمتابعة الدراسات العليا، وإلا فلن أتمكن من العمل أبداً”.
من جانبه، أعرب الطالب الجامعي إميليو فيلالبا، الذي يعيش في مدينة تشالكو، عن قلقه من الوقت الطويل الذي يضيعه كل يوم في التنقل، إذ يستغرق الوصول إلى جامعته ساعتين وأحيانا ثلاث ساعات، وينفق يوميا نحو 60 بيزو على المواصلات، ما يجعله يخشى خسارة جزء كبير من حياته على الطرق.
تقدم هذه الشهادات مجتمعة صورة لجيل ينشأ وسط أيام دراسية طويلة، وتنقلات مرهقة، وأجور منخفضة، وعالم رقمي يشكل نافذته الأساسية إلى المعرفة والواقع، حيث تشكل مواقع التواصل الاجتماعي مصدره الرئيسي للمعلومات حول ما يحدث داخل المكسيك وخارجها. وعلى الرغم من تجاربهم المختلفة ومواقفهم المتناقضة، إلا أن الشباب يتفقون على حقيقة واحدة: “إن الوصول إلى مرحلة البلوغ في المكسيك اليوم يعني العيش في بلد حيث يبدو الوعد بالاستقرار حلما بعيد المنال”. حول “الباييس”
خيبة أمل
صوت معظم الشباب لصالح الرئيسة كلوديا شينباوم. EBA
يشعر أفراد الجيل Z في المكسيك بخيبة أمل وحالة من الإحباط الواضح تجاه المشهد السياسي، حيث تؤكد المؤشرات أنهم سنة بعد سنة يميلون بشكل متزايد نحو الحركات اليسارية، ويكون هذا الاتجاه أكثر وضوحا بين الشابات مقارنة بالشباب. ومع ذلك، لم يعلن أي من الشباب الذين أجرت صحيفة الباييس مقابلات معهم دعمهم لأي حزب سياسي مكسيكي، بما في ذلك أولئك الذين شاركوا بالفعل في الاحتجاجات.
وأعربت كارلا أرويو، وهي طالبة جامعية تبلغ من العمر 21 عاما وتقيم في مكسيكو سيتي، عن هذا الشعور العام بالابتعاد عن الأحزاب السياسية، رغم أنها تصف نفسها بأنها ذات توجه يساري. وأوضحت أنه من الخطأ تلخيص موقفها بالقول: «أنا مع حزب مورينا»، الحزب الحاكم، مؤكدة أن ما يسمى «الكتل السياسية» لا تولي اهتماما حقيقيا لمصالح جيلها، وأن هناك حالة من السخط والمرارة تجاه القادة السياسيين.
وعلى الرغم من أن معظم هؤلاء الشباب قد صوتوا لرئيسة البلاد، كلوديا شينباوم، وما زالوا يظهرون اهتمامًا ملموسًا بالشأن السياسي الوطني، إلا أن بعض الشباب الذين أجرت صحيفة “إلباييس” مقابلات معهم، والذين شاركوا بالفعل في التصويت خلال العام الماضي، ألغيت جميع أصواتهم.
ويؤكد هؤلاء الشباب أنهم سيحرصون على ممارسة حقهم في التصويت عندما تسنح الفرصة، لكنهم يعترفون في الوقت نفسه بأن السياسة تبدو لهم بعيدة عن واقعهم، ويمكن التنبؤ بمساراتها، ولا تؤدي إلى نتائج إيجابية أو مشجعة. وأكد الشباب أنهم لا يملكون معلومات دقيقة وموثوقة حول ما يجري، حيث قال خافيير البالغ من العمر 17 عاماً: “لا أعرف كيف أفرق بين الأخبار الحقيقية والأخبار المزيفة، أنا أستمع فقط، وهذا كل شيء”.
واقع نفسي مزعج
يتمتع الشباب في المكسيك بحضور ملحوظ ونشط على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، خاصة تيك توك وإنستغرام، رغم أنهم لا يحصرون تفاعلهم في منصة واحدة، بل يستخدمون معظم الوسائل الرقمية المتاحة لهم. تقوم منصات التواصل الاجتماعي عادة بحظر البيانات المتعلقة بالمستخدمين القاصرين، كجزء من جهودها لحماية خصوصيتهم وضمان سلامتهم.
ومع ذلك، فإن أنماط وسلوكيات الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و28 عاما، وهي الفئة العمرية التي تمثل الأغلبية ضمن هذا النطاق، مفهومة ومدروسة جيدا، وتشير بعض الدراسات إلى أن عددا من الشبكات الرقمية، مثل “تويتش” و”ديسكورد”، غير مدرجة في هذا البحث، لكن مصادر متخصصة، مثل موقع “ريسورس سيرا”، توضح أن مستخدمي منصة “ديسكورد” حول العالم يقضون في المتوسط ما بين ثلاث إلى أربع ساعات أسبوعيا على هذه المنصة، كما تشير البيانات ويظهر أيضًا أن نسبة كبيرة من مستخدمي Discord تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عامًا، حيث تصل إلى حوالي 41%.
كشفت مقابلات أجرتها صحيفة الباييس مع 10 شبان عن واقع نفسي مزعج، حيث أفاد تسعة منهم أنهم يعانون من مشاعر القلق أو الاكتئاب.
وبالنسبة للبعض منهم، تشكل هذه المعاناة أكبر همهم في حياتهم اليومية. تقول إحدى الشابات: “الصحة النفسية هي أكثر ما يقلقني مقارنة بأي شيء آخر. إن الإنترنت يبعدنا تدريجيا عن الواقع، وآمل أن أشهد إصلاحا حقيقيا لنظام الضمان الاجتماعي، بما يضمن حصول جميع الأفراد على الرعاية النفسية والصحية الشاملة والمضمونة”.
. يشعر بعض الشباب بالقلق عند اختيار المسار الوظيفي الذي يرضيهم، بينما يشعر آخرون بالإحباط بسبب عدم قدرتهم على العثور على عمل.
. انخفاض نسبة الشباب المكسيكي الذين لديهم مؤهلات تعليمية أعلى من مؤهلات آبائهم.
للمزيد : تابع خليجيون 24 ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر




